ما أشبه الليلة بالبارحة

“تبلدية وقعت فوق الكفار”، “القبة بنيناها من طين وسنبنيها من طين”، “لا إله إلا الله جودوا الكفار فيشان الله”، كانت تلك بعض هتافات وجلالات مضى عليها زمان، رددها رجال شجعان، خلفاء وأمراء وقادة رايات وأعلام وفرسان ورجال من أمثال أب جكة والرجل الضرير عبد الرحمن أحمد، صنعوا تاريخ ومضوا مخلفين وراءهم سيراً عطرة وكلمات مضيئة.
بدأت الحكاية في حوالي الساعة العاشرة من صباح اليوم الأول من سبتمبر 1898م، حينما تصاعد من على أحد جوانب جبل سركاب الأسود غبار 26 الفاً من قوات مشاة السردار كتشنر الغازية، وهم يضربون الأرض بأقدامهم بقوة ويتقدمون كجنود قدّوا من رصاص لملاقاة جيش الخليفة الذي كان مرابضا على الجانب الآخر للجبل بكامل هيبة الجيوش النظامية وتمام روعتها وجلالها. كان هناك حوالي 40 الفاً من حملة الحراب والسيوف والبنادق (52 الفاً حسب بعض المصادر الأخرى) يشكلون جبهة عرضها أربعة أميال تظللها مئات الأعلام والرايات التي تسد الأفق.
ومن موقع وسط بين الجيشين العملاقين، اتخذ المراسل الحربي الملازم ثاني الشاب ونستون تشرشل موقعه في الجبل الأسود مصوباً منظاره المكبر ناحية الجيشين بالتبادل، وهو يصيح بصوت ملؤه الإثارة: “يا للدهشة! لا أظنني سأشاهد مشهداً كهذا يتكرر مرة أخري … إنه لأمر مهول ورائع”.
يقول توماس بيكنغهام في كتابه “التكالب علي افريقيا”، لم يكن المشهد وحده هو الذي جعل تشرشل يقف مسحوراً، ولكن غرابة المفارقة التاريخية هي التي جعلته يحبس أنفاسه مترقباً حدثاً ومناسبةً كبري بحجم معركة القرن في أفريقيا: جيشان كبيران، عالمان عظيمان، يسارعان للاصطدام في مساحة لا تتعدي الأربعة أميال: عالم كتشنر الصناعي المدجج بأحدث ما أنتجت أوروبا من بوارج حربية وبنادق لي متفورد ومدافع مكسيم ومدافع الميدان ذات الدانة زنة 15 رطل شديدة التفجر، في مقابل عالم جيش الخليفة البدائي التسليح بحرابه وسيوفه وبنادقه طراز “أبولفتة” بذخيرتها الرديئة الصنع ومدافعه القليلة العدد مما غنمه من جيش هكس وقوات الملك يوحنا ملك الحبشة قبل ذلك بعشر سنوات.
مضت حوالي ساعة من بزوغ فجر اليوم الثاني من شهر سبتمبر 1898م، حين أخذ جيش الخليفة في التقدم. تقدمت فرقتان أولاً، إحداها تحت قيادة الوزي ويزي الأمير المقاتل عثمان دقنة والأخرى تحت قيادة الأمير عثمان أزرق الملقب بثعلب الصحراء، تقدمت الفرقتان في شكل هلالي هائل. ومن مبعدة اثنتي ألف ياردة شرعت قوات المشاة البريطانية في إطلاق وابلاً من قذائفها النارية، بعد أن أخذت صفوفها الأمامية وضعاً راكعاً واتخذت صفوفها الخلفية وضعاً واقفاً، بالضبط كما قاتل “ذوي الياقات الحمراء” في واترلوا.
أحدث القصف ثغرات في خطوط المجاهدين ولكن الثغرات سرعان ما التأمت واستمرت الصفوف في تقدمها باندفاع تحت وابل نيران كثيفة. “ما من جندٍ بيض يمكنهم احتمال مثل هذا الوابل من الموت المصبوب لخمس دقائق” قال ستيفنسون معلقا، “ومع ذلك فقد واصلوا تقدمهم بإصرار وعناد”. عشرة آلاف من الرجال الشجعان رقدوا موتى، وستة عشرة ألف آخرين نزفوا الدم تحت سفوح جبال كرري وعلى امتداد السهول الرملية الممتدة الي الجنوب وحتى أم درمان.
لم يحاول أحدٌ منهم النكوص أو الخلود إلى الأرض بل اندفعوا لملاقاة النار علي أمل الالتحام بالعدو، فمنهم من اندفع حاملاً بندقيته الفارغة ليضرب بها العدو ومنهم من تقدم أعزلاً كل سلاحه قبضتاه وغضبه الجارف، حتي حملة الأعلام أصروا علي الوصول بأعلامهم لصفوف العدو ولم يجدوا ما يشفي غليلهم غير استخدام قنا الأعلام”، كما أورد عصمت حسن زلفو.
“تلك عظمة الرجولة الصامدة. كانوا أشجع من مشى على وجه الأرض، دمروا بقوة الآلة ولم يقهروا”. هكذا وصفهم تشرشل. ثم انضم إليه ستيفنسون في إنصافهم: “لقد حاز العدو (جيش الخليفة) علي شرف اليوم. لقد وصل رجالنا درجة الكمال، ولكنهم فاقوا حد الكمال، لقد كان ذلك أعظم وأشجع جيش خاض حرباً ضدنا، حملة بنادق يحوط بهم الموت والفناء من كل جهة، وهم يجاهدون عبثاً لإطلاق ذخيرتهم القديمة الرديئة عديمة الأثر في وجه أقوي وأحدث أسلحة التدمير”.
لقد كان في قصص أولئك الرجال عبرة لأولي الألباب، ولأعدائهم الذين قضت إرادة الله الغالبة أن يكونوا في تمام الفطنة وكمال اليقظة بحيث لم تصرفهم مجريات الأحداث عن تحسس نبض العظمة وتلمس نبع التفوق المركوزة في نفوس أولئك الرجال. ولكن لما كانت سنة الله في الخلق ألا يكون الناس أمة واحدة، وملة واحدة، فقد قضى ربك بأن يكون لاولئك الرجال الشجعان بجانب أعدائهم الصرحاء، من هم دونهم من أمثال ود علي، “ود علي أنا انقبضت علك ما تكون بعتني رخيص” والطابور الخامس وهناك من وقف على الحياد “كان مهدي جيد لينا وكان ما مهدي شن لينا”. وهناك من سار في حقه المثل “مبايع المهدي في قدير” كناية عن الفقر والضعف وقلة الحيلة التي اضطرتهم للمبايعة تاميناً لأنفسهم واكتسابا لشرعية اقتضتها ظروف دنيا وصفت “بالمهدية”.
فما أشبه الليلة بالبارحة.
و رحم الله أسير المحبسين أبا العلاء، حكيم المعرة القائل:
من ساءه سَبَبٌ أو هاله عجبٌ فَلِي ثمانون عاماً لا أرى عجبـا
الدهرُ كالدهرِ والأيامُ واحدة والناس كالناس والدنيا لمن غلبـا
من أرشيف الكاتب
تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتحياتي.
عبد العظيم ميرغني