البحرية الارترية في سواكن .. رسائل ودلالات

خالد طه
قراءة لمرامي الزيارة التضامنية التي سيرتها القوات البحرية الارترية إلى ميناء “سواكن” السوداني، يوم الجمعة 26 يوليو الجاري.
يعد قيام إرتريا في هذا التوقيت بارسال أربعة قطع حربية بحرية في زيارة لميناء سواكن السوداني، خطوة ذات دلالات خاصة، لناحية ما تحمله من اشارات تتجاوز العلاقات العادية وتنتقل إلى التعامل مع الطارئ من متغيرات متصلة بحرب السودان، وإحداث جنوب البحر الاحمر وخليج عدن، وهي بهذا التوصيف ليست زيارة بغرض “العلاقات العامة”.
*لماذا سوكن*
الواضح أن هذه الزيارة المنفذة بقطع بحرية مدججة، تم اختيار توقيتها ونقطة الوصول بعناية توضح المرامي. فأن كانت القوات البحرية الارترية ونظيرتها السودانية تريدان التفاهم حول اي موضوعات مشتركة بقدر من السرية، لتم اللقاء في (راس قصار) الواقع أقصى شمال الساحل الارتري واقصى جنوب الساحل السوداني، حيث يفصل بين دائرة اختصاص وحدود مسؤوليات كل منهما فقط مسافة 100 متر بحرا وبرا، لكن يبدو ان الاعلان عن الزيارة كان هدفا في حد ذاته. قد لا يعلم الكثيرين أن ميناء سواكن السوداني كان أحد أهم مقرات ومنطلقات البحرية الارترية، لسنوات طويلة أبان حرب التحرير في ارتريا، إلى جانب مراسي سودانية أخرى مثل “عقيق” في جنوب طوكر، عليه فاختيار ميناء سواكن يضيف للزيارة شحنة مهمة للتعبير عن الوفاء والإمتنان. ومن الاهداف ايضا الإشارة الواضحة إلى أنه حتى لو لم توضع قواعد عسكرية أجنبية على السواحل السودانية، فهناك (اصدقاء) في الجوار القريب.
*بوابات جديدة*
تعد هذه الزيارة التضامنية كما اعلن في ظاهرها، خطوة مهمة في تعزيز العلاقات بين البلدين عبر بوابة التعاون والتنسيق العسكري والأمني، على كافة المستويات ولمواجهة مختلف التحديات الداخلية بالنسبة للسودان والإقليمية بالنسبة للطرفين.
وفي السياق الجيوسياسي الراهن في المنطقة، من الممكن أن تكون للزيارة أهداف متصلة بتحسين العلاقات الثنائية، وتعزيز الجهود المشتركة في مكافحة القرصنة أو التهريب، وغيرها من القضايا البحرية والأمنية.
خصوصا وأن هناك تاريخ من العمل في ميدان واحد لنحو 50 عاما مضت، تواصلت في العقود الثلاثة الأخيرة (بعد استقلال إرتريا عن اثيوبيا) في مهام مشتركة مثل حماية الجرف القاري، وسلامة البيئة البحرية، ومكافحة التهريب والقرصنة والصيد الجائر وغيرها.
*حلف عسكري ام تنسبق*
ظلت العلاقة بين إريتريا والسودان -الرسمي- في الأشهر التي شهدت فترة الحرب وحتى الان، تتسم بالتعاون المتبادل والتفاهم، خاصة بعد تفاقم الأزمات وتداعيات الحرب التي يمر بها السودان، ولا توجد معلومات موثقة تفيد بوجود أو نشؤ (حلف استراتيجي عسكري) رسمي بين إريتريا والسودان، لكن العلاقات بين البلدين فيما يبدو تشمل تنسيقا عسكريا أو دعما في بعض الحالات، التي ظهرت أيضا في استضافة وتدريب لعدد من الفصائل السودانية غير البعيدة عن الجيش السوداني، وفق إطار معلن قائم على حماية المواطنين العزل في شرق السودان في حال تمدد الحرب، او وصولها إلى الولايات الشرقية المتاخمة لارتريا، وذلك أيضا غير بعيد من ارسال رسائل تحذير لأي جهة إقليمية تفكر في الانخراط إلى جانب أحد الأطراف في حرب السودان، أو إستغلال الوضع الراهن لتحقيق مكاسب من أي نوع.
*سرية وتكتم*
في ذات الوقت الكثر حساسية، لا تتوفر معلومات عن دعم إرتريا لحكومة السودان في الصراع ضد الدعم السريع، وذلك لإن المعلومات حول مثل هكذا موضوعات تكون بطبيعة الحال سرية للغاية، وهي بالضرورة حساسة ومتغيرة وفق طبيعة العلاقات بين الدول التي يمكن أن تشمل أشكالاً متنوعة من التعاون، بما في ذلك الدعم العسكري والفني، لكن تفاصيل ذلك الدعم تظل غير متاحة علنياً، أو تعتمد على التطورات الحالية في العلاقات الثنائية، عموما لم تتناول أي من حكومات البلدين في الاخبار والتصريحات الرسمية أو التقارير الاخبارية، امر حلف عسكري، مما لا يتيح الحديث المطلق دون الاستناد على معلومات دقيقة ومحدثة.
*المشهد الكلي*
النظر لدلالات زيارة القطع البحرية الإريترية للسودان بمنظور شامل، لا يتوقف فقط عند المماحكات المتصلة بردود الافعال – مثلا الزيارة جاءت بعد تقارب كبير بين السودان واثيوبيا، التي افلح رئيس وزرائها آبي احمد عبرها في إعادة التواصل بين رئيسي السودان والامارات، وهذا يعني تفاهمات جديدة وإعادة ترتيب للسياسات وتقييم جدوى التحالفات القائمة، وتغيير خطوات كثيرة، وربما إجراء مراجعات. أيضا من هذه الزاوية يمكن أن يكون هناك رابط بين زيارة رئيس الوزراء الاثيوبي لبورتسودان و رسو مقاتلات بحرية إرترية في سواكن. لكن وفي اتجاه آخر وصلت القطع البحرية الارترية وأقيم لها استقبال رسمي في ذات الوقت الذي غادر فيه القائم بأعمال السفير السوداني اسمرا، وهو يحمل سمة (غير مرغوب فيه).. هذا ايضا يمكن ان يفسر بانه هناك رسالة من اسمرا مفادها ان ارتريا حسمت امرها بمساندة القوات المسلحة السودانية (الجيش) وليس أي حلف سوداني آخر.
*استعراض وتلويح*
هناك دلالات متعددة قد تشير إلى ان الزيارة جزءا من استراتيجية إقليمية أوسع تحاول إرتريا من خلالها تعزيز نفوذها العسكري والاقتصادي في المنطقة، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، أو لتعزيز العلاقات العسكرية والتحالفات في مواجهة نتائج التحولات في العلاقات السودانية مع إثيوبيا والإمارات، وقد يشمل هذا بعض (فنيات استعراض القوة أو التلويح بالاهمية)، أو ربما اتخذت خطوة التعاون الأمني لموازنة تأثير التحالفات الجديدة كلها.
في الخلاصة يمكن القول أن الزيارة التي سميت “تضامنية” لها أهداف مهمة بينها رسائل سياسية موجهة لأطراف عدة في السودان والمنطقة، بطريقة تبين ديناميات القوى والتوازنات العسكرية، وبشكل يملي على أطراف عدة إعادة ترتيب الحسابات.