رأي

تصريحات بيريلو ومحاولة انقاذ الميليشيا

الركابي حسن يعقوب يكتب:

في تصريح صحفي مطول له أمس الثلاثاء قال المبعوث الأمريكي الخاص للسودان توم بيريلو (أن غالبية ساحقة من الشعب السوداني بما فيهم داعمو الجيش يريدون رؤية قادتهم يذهبون للمفاوضات، ونريد مواصلة العمل مع الأطراف ليس فقط لإيصالهم لجنيف، ولكن للاستعداد لفعل ذلك) ، وقال أيضاً أن الجيش يأخذ الدعوة إلى مفاوضات جنيف على محمل الجد ، وأضاف (نأمل في الحصول على تأكيد رسمي من جانبهم قريباً) .
واستطرد بيريلو مبيناً أن ظروف الأمطار جعلت ضرورة فتح معبر (أدري) أكثر الحاحاً من ذي قبل ، وأن هناك شعور عام في المنطقة بعدم وجود منتصر في هذه الحرب بل سيخسر الجميع ، وعبر عن أمله أن يشكل هذا التوافق الإقليمي قوة وحضوراً كبيراً في مفاوضات جنيف يجبر الأطراف الفاعلة على التوصل إلى وقف اطلاق نار قابل للتنفيذ ، وأضاف (نتواصل مع دول الجوار بخصوص اللاجئين السودانيين سواء بالدعم المالي للجهود الإنسانية أو عندما نسمع مخاوف تتعلق بمضايقة أو احتجاز للاجئين السودانيين) على حد تعبيره .
في رأيي أن هذا التصريح قد جمع فأوعى، ولخص بشكل كامل وجهة النظر الأمريكية بما يشبه برنامج عمل لحل الأزمة السودانية وفق ما تريده واشنطون وحليفاتها الإقليميين وليس ما يريده الشعب السوداني صاحب الحق والمصلحة والمكتوي بنار الحرب التي أشعلتها أمريكا تواطؤاً مع ذات القوى الإقليمية التي جاء ذكرها في تصريحات المبعوث بيريلو عندما أجمعوا أمرهم على الانقضاض على السلطة بقوة السلاح مستخدمين ميليشيا الدعم السريع المتمردة في 15 أبريل 2023.
لا أعتقد أن هناك (بجاحة) تفوق أو تماثل بجاحة المبعوث بيريلو حينما يقول بصورة قاطعة سارقاً بذلك لسان الشعب السوداني أن غالبية (ساحقة) منه بما فيهم الداعمين للجيش يريدون رؤية قادتهم يذهبون إلى المفاوضات، لا أدري كيف توصل إلى هذه النتيجة، هل أجرى استطلاع وقياس للرأي العام يقوم على الأسس والقواعد العلمية والإجرائية المعروفة في هذا الشأن خلُص فيه إلى هذه النتيجة ؟، أم أن الأمر فقط خبط عشواء وتدليس واحتطاب ليل واستغفال !.
وقوله أيضاً في مغالطة واضحة لنفسه وللواقع الماثل، وسارقاً للسان الجيش هذه المرة (أن الجيش يأخذ الدعوة إلى مفاوضات جنيف على محمل الجد) ، في الوقت الذي يؤكد فيه قادة الجيش أنه لا ذهاب إلى مفاوضات مع المتمردين قبل تنفيذ ميليشيا الدعم السريع المتمردة ما تم الاتفاق عليه والتزمت به ووقعت عليه في منبر جدة قبل أكثر من عام ، وألا سبيل إلى نسخ منبر جدة واستبداله بمنبر آخر . وأما مغالطة بيريلو لنفسه فهي قوله مستدركاً (نأمل في الحصول على تأكيد رسمي من جانبهم قريباً) ، ويعني بذلك قادة الجيش .
ثم لا يكتفي المبعوث الأمريكي بسرقة لسان الشعب السوداني والجيش والحديث نيابة عنهم ، بل تمتد يده لسرقة ألسنة القوى الإقليمية بقوله أن هناك شعوراً عاماً في الإقليم بعدم وجود منتصر في هذه الحرب بل سيخسر الجميع ، المبعوث يقول ذلك والواقع العسكري على الأرض يشير إلى غير ما يقول ، بل أن الحراك الإقليمي الحالي وتغير مواقف القوى الإقليمية التي ظلت طوال فترة الحرب تقف داعمة ومنحازة لميليشيا الدعم السريع لهو أوضح دليل على تغير ميزان القوى العسكري لصالح الجيش السوداني ، هذا التغير الذي بدأت رياحه تهب في الاتجاه المعاكس منذ زيارة رئيس الوزراء الاثيوبي آبي احمد إلى السودان وما تلاها من تطورات متلاحقة في مواقف هذه القوى التي أدركت أن الهزيمة قد حاقت بفرس رهانها ميليشيا الدعم السريع وأن المضي في شوط الحرب إلى آخره سيقضي عليها قضاءاً مبرماً ، والسؤال المنطقي الذي يجعل حجة المبعوث بيريلو داحضة هو لماذا استمرت هذه القوى الإقليمية في دعمها العسكري واللوجستي والسياسي والمعنوي والإعلامي لميليشيا الدعم السريع كل هذا الوقت ولم تتحدث البتة عن (عدم وجود منتصر) ، ولماذا تقول هذه القوى الآن فقط وبعد أن بانت بشائر النصر المؤزر للجيش وأشراط هزيمة الميليشيا بينونة كبرى أنها حرب لا منتصر فيها ، والجواب واضح أنهم يريدون (مصادرة) انتصار الجيش السوداني على ربيبتهم ميليشيا آل دقلو التي تعهدوها بالرعاية وعلفوها وأعدوها لهذه المهمة ولكنها فشلت في القيام بها رغم جودة العلف وكرم الرعاية ، تريد أمريكا أن تتذاكى الآن وبعد فوات الأوان لكي تحول على طريقة بهلوانات ومهرجي سيرك “رينغلنغ بروس وبارنوم آند بايلي” في نيويورك هزيمة الميليشيا على أرض المعركة إلى نصر على طاولة المفاوضات ، ولكن هيهات فالشعب السوداني لن يسمح بذلك أبداً ، إن سقف الشعب السوداني لا يتجاوز اتفاق جدة الذي ألزم الميليشيا بالخروج من الأعيان المدنية وبيوت المواطنين أولاً وما لم يتم ذلك فلا جدة ولا( …) أو كما قال نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار . الشعب السوداني موحد الآن على قلب رجل واحد في حالة تاريخية نادرة فرضتها ظروف الحرب والعسف والظلم والإهانة والإذلال الذي تعرض له من ميليشيا آل دقلو وكفلائهم الإقليميين لذلك فهو لا يقبل أقل من أن تستسلم هذه الميليشيا ، وتتجمع في نقاط تجمع محددة وتتعهد الحكومة السودانية بحمايتهم ، وضمان محاكمات عادلة لمن تورطوا في انتهاكات وجرائم حرب ، وإعادة تأهيل من يستسلمون لإدماجهم اجتماعياً وفقاً لشروط المواطنة ، وأنه لا إفلات من العقاب ، ولا تمثيل سياسي أو إدماج عسكري لهم ولحواضنهم المدنية ، وأن تتم عمليات جبر ضرر لكل الذين تضرروا جراء عدوان الميليشيا في أرواحهم وممتلكاتهم وأعراضهم . هذه هي خارطة الطريق التي ينبغي أن تكون عليها أية تسوية محتملة لإيقاف الحرب.
أما حديث المبعوث الأمريكي عن الجانب الإنساني فهو مضحك ومثير للاشمئزاز باعتباره كذب صراح ، فأمريكا لم تعد لها مصداقية فيما يتعلق بالجوانب الإنسانية وقد رأى العالم بأسره تجردها التام من الإنسانية وهي تمد إسرائيل بالقنابل والطائرات لتقصف بها الأحياء السكنية وتقتل بها الأطفال الأبرياء والنساء وكبار السن وتمنع عن الفلسطينيين في غزة الغذاء وتمارس ضدهم التجويع تحت دعوى كاذبة ومخادعة هي الدفاع عن النفس ، أمريكا التي قمعت بشدة من خرجوا من مواطنيها يحتجون على موقف حكومتهم المناصر لإسرائيل ، فالأخلاق لا تتجزأ ولا تقبل القسمة فلا أحد يصدق أن أمريكا مشفقة على النازحين السودانيين في الداخل أواللاجئين منهم في الخارج لذلك فإن حديث المبعوث بيريلو عن الجانب الإنساني لا يعدو كونه استغفال ساذج لن ينطلي على السودانيين الذين عرفوا حقيقة أمريكا وخبروا شرورها ، وبقي أن نشير إلى الخبث الأمريكي البائن في الإصرار على مفاوضات جنيف ، وهو خبث مزدوج ذو حدين ، فهي من ناحية تريد إيقاع الانقسام في الجبهة الوطنية الشعبية التي توحدت خلف القوات المسلحة مساندة ومؤيدة لها ليكونا فريقين ، الأول مؤيد للتفاوض والآخر ممانع ورافض له من ناحية ، ومن ناحية أخرى إذا لم يحدث انقسام أو تغلب الفريق المؤيد للتفاوض فإن ذلك يمنح الفرصة لميليشيا آل دقلو بالتحلل من التزامها في منبر جدة ويجُبّه باتفاق جديد لن يلزم الميليشيا بالخروج من الأعيان المدنية وبيوت المواطنين ، بل يستعاض بذلك بما يسمى بوقف العدائيات الذي يلزم الجيش والميليشيا بالمكوث كل في المنطقة التي يتواجد فيها وهو يعني شرعنة وجود الميليشيا وأحقيتها في الحفاظ على ما اكتسبته من أراض باعتبارها مناطق محررة يتم التفاوض عليها لاحقاً ويمهد ذلك لتقسيم السودان.
وفي الختام فإن الهدف من حديث المبعوث الأمريكي بيريلو عن ضرورة فتح معبر (أدري) لا يخفى على أحد وهو فتح مسار آمن لإمداد الميليشيا بالعتاد الحربي والمرتزقة تحت غطاء المساعدات الإنسانية لتقوية موقفها أمام الجيش على غرار عملية (شريان الحياة) التي فرضت قبل ثلاثة عقود ونصف أيام حرب الجنوب والتي استغلت لأغراض غير إنسانية.