رأي

بمناسبة الأسبوع العالمي للرضاعة الطبيعية ٧/١ اغسطس

١يتفق علماء الوراثة وفقهاء الدين على حرمة زواج الأقارب بنسب الدم (أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الاخت)، لما في ذلك من مضار منها ما حذر عنه عليه الصلاة والسلام بقوله اغتربوا ولا تضووا حتى لا يهزل نسلكم. أما ما حرم من النساء بالرضاع (أمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة) لأن الله سبحانه عرَّف المرضعة بالأم والشريكة في الرضاعة بالأخت وحرمهما، ولقوله عليه السلام، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.
يقول الفقهاء أن الرضاع المحرم للزواج هو ما كان له تأثير في تكوين الطفل بإنشاز عظمه وإنبات لحمه، وهو ما كان في الحولين اللذين بيَّنهما القرآن الكريم، ويعللون ذلك بأن الرضيع يكون في هذه المرحلة صغيراً يكفيه اللبن، وينبت بذلك لحمه، فيصير جزءاً من المرضعة، فيشترك في الحرمة مع أولادها.
في رأي فقهاء المذهب الحنفي أن التحريم يقع بما قل من الرضاع وكثر، ولو برضعة واحدة، ولو بمصة واحدة. أما الشافعية والحنابلة فقد أفتوا بأن التحريم لا يكون إلا بخمس رضعات مشبعات معلومات كاملات، يأخذ فيهن الصبي الثدي ويمتص اللبن منه، ولا يتركه إلا طائعاً من غير عارض يعرض له.
حرمة الأمومة المرضعة في رأي بعض الفقهاء لا تتكون من مجرد أخذ اللبن، بل من الامتصاص والالتصاق الذي يتجلى فيه حنان الأمومة، وتعلق البنوة. ويقولون إن ألفاظ الشرع الحكيم كلها تتحدث عن إلقام المولود الثدي والتقامه وامتصاصه بفيه فقط، لا بمجرد الاغتذاء باللبن بأي وسيلة. وأن من سقي لبن إمراه فشربه من إناء أو حلب في فمه فبلعه أو أطعمه بخبز أو شراب أو دواء أو لبن شاة أو غيره أو صب في فمه، أو حقن به، فكل ذلك لا يحرم شيئاً وإن كان ذلك غذاءه دهره كله.
كذا الأمر بالنسبة لللبن المجموع في بنك اللبن، لا يثبت به تحريم، وأيضاً اللبن المجفف بطريقة التبخير والذي صار مسحوقاً لا يعود سائلاً يتيسر تناوله إلا بعد خلطه بمقدار من الماء يزيد على حجمه ويغير من أوصافه لا يثبت بتناوله التحريم كذلك.
بالمقابل يستند علماء الوراثة على مبدأ the central genetic dogma القائل بأن المعلومات المسؤولة عن تخليق الجنين في رحم أمه تنتقل مشفرة في التركيبة الكيمائية للجينات (مادة الأحماض النووية المورِّثة، الدنا DNA والرنا RNA) من الأجداد إلى الآباء الذين ينقلونها إلى الأبناء ومن ثم إلى الأحفاد ومنهم إلى الأجيال المتعاقبة، وذلك عبر آلية وراثية تعتمد على تناسخ هذه الأحماض النووية. فالحمض النووي “الدنا” في خلايا الأبوين يصنع الحمض النووي “الرنا” الذي يصنع بدوره البروتين الذي يتكون منه جسد المولود.
هذه الآلية حسب علم الوراثة تنقل الخواص الوراثية في اتجاه واحد، من “الدنا” إلى “الرنا” ومنه إلى البروتين (دننا–< رنا–< بروتين) ولا يمكن أن يحدث العكس كأن تسري المعلومات الوراثية من البروتين إلى الحمض النووي “الرنا” ومنه إلى الحمض النووي “الدنا”. ويقولون كذلك أن مادة الحمض النووي “الدنا” المورّثة، معزولة تماماً عن مادة الجسد الذي تكونه، انعزال الصورة داخل المرآة عن محيطها، إذ يمكن رؤيتها فقط ولكن لا يمكن لمسها أو العبث بها. وكذا الحال بالنسبة لمادة “الدنا” المورّثة، فإن جسدي الأبوين لا ينتجانها بل ينقلانها فقط من جيل الأجداد إلى جيل الأبناء الذين يورثونها بدورهم لجيل الأحفاد.
عليه فإن ما يفهم من علم الوراثة أن لبن الأم لا ينفذ إلي تركيبة المادة المورثة مباشرة فيغيرها أو يؤثر في إنشاز عظم المولود وإنبات لحمه بما يوقع حرمة الزواج. وفي هذا يبدو أن هناك تعارضاً صريحاً بين علم الوراثة وفقه الفقهاء.
لكن ثبت مؤخراً وبالتجارب العلمية المعملية ما أزال هذا التعارض. فقد ثبت مثلاً وجود عمليات توارث أخرى تنتقل فيها الصفات عبر آلية غير آلية تناسخ الأحماض النووية (الدنا والرنا)، بواسطة الفيروسات مثلاً التي يمكنها التدخل في نظام انتقال المعلومات الوراثية وتعكسها كذلك، فبدلاً من أن تسري المعلومات الوراثية من “الدنا” إلى “الرنا” فإنها تسري بالعكس من “الرنا” إلى “الدنا”.
كما ثبت علمياً أيضاً إمكانية توارث الصفات من الآباء إلى الأبناء بعملية أخرى مستقلة تماماً عن آلية الأحماض النووية (الدنا والرنا)، إذ وجد أن نظام الشعيرات الدقيقة التي تكسو سطح حشرة البراميسيام إذا ما تعرض إلى تغيير أو تعديل، فإن هذا التغيير أو التعديل يمكن أن ينتقل للأبناء باستقلالية تامة ودون تأثير من الأحماض النوية (الدنا والرنا).
إضافة إلى ذلك فقد أثبت علماء جامعة غرب استراليا أن لبن الأم يحتوي على خلايا جزعية، وهي خلايا لا تقوم بوظيفة محددة، وتجدد نفسها عن طريق الانقسام والتضاعف الذاتي لتعطي خلايا مكونة لأنسجة الجسم الأخرى، مثل الخلايا النابضة بالقلب أو الخلايا المنتجة للأنسولين بالبنكرياس وهكذا. وهذا يعني أن كل خلايا وأنسجة الجسم المختلفة يمكن إرجاع أصلها إلى هذه الخلايا ولذا أطلق عليها مسمى الخلايا الجزعية، من الجزع أو الأصل.
هذا الاكتشاف بثبت أن لبن الأم ليس مجرد غذاء يحتوي على العناصر الضرورية لبناء ونمو جسم الرضيع فقط ولكنه يحتوي على تنوع هائل من الخلايا المختلفة التي تلعب دوراً مهماً في نمو وتطور الرضيع حتى يصل إلى مرحلة البلوغ.
كذلك أثبتت التجارب العلمية المعلمية التي أجريت على الفئران أن الأبناء يتأثرون بنوعية الرعاية التي يتلقونها من الأم في المراحل الأولى من حياتهم، مما يجعلهم أكثر تماثلاً ومشابهة بها. وهذا يعزز ما قال به الفقهاء من أن حرمة الأمومة المرضعة لا تتكون من مجرد الاغتذاء باللبن، بل من الامتصاص والالتصاق الذي يتجلى فيه حنان الأمومة وتعلق البنوة.
فأيهما الأرجح في شأن حرمة الرضاع يا ترى؟ أهو الاغتذاء باللبن أم الالتصاق بالأم؟ أم الأثنين معاً؟
تضرعاتي بحسن الخلاص، وتحياتي؛

عبد العظيم ميرغني