بئس الصحبة صحبة الأسواق

ليس من الطبيعي أن تكون طبيعياً في موقفٍ غير طبيعي، عبارة رواها لي الأستاذ الصحفي سيف الدين عبد الحميد ضمن تعليقه على حكاية دستوفيسكي الثانية التي أوردتها البارحة في مقالتي “قف تأمل”. العبارة منسوبة لطبيب الأمراض النفسية المعروف الراحل الدكتور التيجاني الماحي عليه رحمه الله، رددها باللغة الإنجليزية It is abnormal to be normal in an abnormal situation! في أعقاب تنفيذ حكم الإعدام في شخص كان مودعاً سجن كوبر في جريمة قتل، ولما حان موعد تنفيذ الحكم وقاده الجلاد إلى المشنقة أمام اللجنة التي كان من أعضائها الدكتور التيجاني الماحي، كان القاتل يبرِّم في شنبه وهو يصيح بصوتٍ عال: مرحبا.. مرحبا.. مرحبا.. مرحبا حتى اعتلى المشنقة وأعدم. كان ذلك التعليق البليغ من الدكتور التيجاني الماحي على ما بدا من تماسك الرجل في تلك اللحظات الحرجة الأخيرة في حياته.
وتعليقاً على قصة دستوفيسكي الأولى التي أوردتها في مقالة البارحة، حكى لي “صديق الصبا ورفيق الدرب فى ريعان الشباب والمرفا والمتكئ” أحمد عبد الله حميدة، واسم “الدلع” “أب شنب”، قال كنت قبل أكثر من خمسة وعشرين عاماً في صلاة جمعة في الطائف بالمملكة العربية السعودية، وكانت الخطبة عن شهادة الزور، وبعد أن أنهى الخطيب الصلاة وقف في مواجهة المصلين وقدم رجلاً ليحكي قصة عن شهادة الزور، موضوع الخطبة.
صعد الرجل المنبر، وبعد أن حمد الله وأثنى عليه شرع في رواية قصته فقال كنت أسكن مكة المكرمة، وبدون مقدمات جاءت الشرطة وألقت القبض علي واخذتني الي السجن. ولما مثلت أمام القاضي في قاعة مكتظة بالحضور وجدت نفسي متهما بجريمة قتل مكتملة الأركان، بحيثياتها وشهودها الحضور.
ويضيف الرجل بعد أن أديت القسم وفعل الشهود الأول والتاني والثالث والرابع مثل ما فعلت. أصدر القاضي بعد جلسات معدودات حكمه عليَّ بالإعدام حداً بالسيف لقتلي فلان بن فلان في شجار، ثم قام من ثم بتلاوة بيان طويل يتضمن وقائع ثبوت الجريمة بأربعة شهود عدول. ثم بعد أن صاح الحاجب محكمة قادوني الي السجن.
يواصل الرجل حكايته فيقول بعد يومين من ذلك الحكم وأـنا لا أكاد استجمع وعي بعد، قادوني في منتصف الليل لغرفة وجدت فيها والدي وزوجتي وأطفالي الثلاثة صغار السن. كان والدي صامتاً طوال الوقت، وزوجتي في حالة انهيار تام. أما أطفالي فقد كانوا يتقافزون حولي فرحين، كل يبادر بتقديم طلباته، منهم من يريد دراجة وآخر يريد أن نخرج مع جده الى بيته.
أدخلوني بعد ذلك على قاضي قال لي أن المرحوم له أطفال قصر، أصغرهم رضيع فمن حقك أن تختار إما تنفيذ الحكم فيك أو الإنتظار حتى يبلغ أبناؤه سن الرشد لعلهم يعفون عنك. هكذا كتب الله لي عمراً جديداً، فبقيت في السجن سبعة عشرة عاماً حتى بلغ أبنائي وأبناء المرحوم سن الرشد.
استمر الرجل في سرد حكايته وجميع من كان من الحضور في حالة سكون وإنصات تام وما من همس يسمع الا حفيف مراوح السقف، إلى أن وصل الرجل للحظة تنفيذ الحكم، فحكى عن كيف أجلسوه في ساحة القصاص قبل أن يحدث شيء غريب، إذ اقتحم المكان رجل وهو يصيح بصوت هيستيري عال موجهاً حديثه للقاضي ومن حوله: أنا القاتل، أنا القاتل. يقول الرجل فردوني إلي السجن وبعد المداولات تم إعلان براءتي.
يقول أب شنب بعد أن أنهى الرجل حكايته المأساوية هذه وقف الخطيب الذي أم الناس في الصلاة ليذكرهم بما ورد في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت.
تجمعني ورفاق الصبا بـ “أب شنب” طرائف وحكاوى وقصص تروى عن حكمته وفطنته ورجاحة عقله ونحن بعد تلاميذ صغار بمدارس بخت الرضا، سبق أن حكيت أنا وحكى هو عن بعضها في مذكراتنا المشتركة في تلك المرحلة الباكرة من أعمارنا تلاميذ في بخت الرضا. لكن أضيف لتلك الذكريات هنا بعض ما استجد من ذكريات صديقنا “أب شنب” عن أهوال الموت هذه المرة.
يقول “أب شنب” كنت فى إحدى المرات في زيارة إلى جدة بالمملكة العربية السعودية. وكانت معي أمانات قدرها عشرة آلاف ريال سعودي. وكنت وأنا اتجهز لصلاة الجمعة في مقهى عام أن وضعت العراقي على أحد المقاعد، وبعد أن بدلت ثيابي أودعت حقيبة ملابسي أمانات المقهى، ثم خرجت قاصداً المسجد. وهناك، هناك فقط تذكرت العراقي الخفيف الشفاف الذي تركته علي المقعد بذلك المقهي الذي يعج بالزباين وبداخله عشرة آلاف ريال، ومعظمها امانات وأنا معلم غلبان وعلى سفر. ويكفي بالمعلم شرحاً يغني عن وصف الحال والخوف من شيل الحال.
يقول “أب شنب” فتصبرت وتجلدت وحوللت وقوللت وتحسبنت واسترجعت، فلما خرجنا من المسجد وجدنا أناساً محتشدة بساحة المسجد لمشاهدة حالة حكم قصاص، ورأيت في أصحابي رغبة في مشاهدة القصاص فأخذوا بيدي وجروني جراً معهم فوقفت على الدرابزين ممسكاً بحديده، وما هي إلا ثوان حتى امتلأت الساحة بالعسكر وصوت الاسعاف يخض الصدور، فأنزلوا منه شاباً شديد بياض الثياب، شديد بياض البشرة، شديد سواد القلب، قتل خالته وأطفالها الثلاثة من أجل ذهبها ومالها، ثم بعد أن قام القاضي بتلاوة الواقعة، تقدم السياف بقامته المديدة وبيده سيف وكز به الشاب في زهره فارتعد وإذا بالرأس يطير عن كتفيه كما الكرة وهو يحدث أصواتاً ولغلغة، وما يفصل بينى وبينه إلا الدرابزين.
انفض الناس في صمت ووالله وتالله ما تذكرت الريالات إلا بعد أن كدنا أن نتجاوز المقهى فأخبرت أصحابي بما حدث، فلم يصدقوا، وـأظن أنه ذهبت بهم الظنون مذاهب بعضها إثم بل كلها إثم حتى عاتبت نفسي، لم تعجلت فأخبرتهم. فلما دخلنا المقهى وجدنا العراقى على حاله مكوم على المقعد، فسبقني إليه أحدهم فوجد المبلغ وعده فوجده كما ذكرت فقال متضاحكاً أعف لنا فقد ظنناك كذا وكذا، فقلت بئس الصحبة صحبة الأسواق.
تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتحياتي.
عبد العظيم ميرغني