رأي

لمن ينشدون سلام وإعادة إعمار السودان

• هل تذكرون محمد يونس الاقتصادي البنجلادشي مؤسس بنك الفقراء الذي منح جائزة نوبل للسلام؟ هو نفسه الذي تطالب الملايين البنجلادشية الثائرة هذه الأيام بتنصيبه رئيسا لها؟
• كان محمد يونس الملقب بمصرفي الفقراء قد نذر نفسه لانتشال ملايين البنجلادشيين المعدمين من حالة الفقر المدقع التذي كانوا يعيشون فيه والانتقال بهم إلى مجال العمل الشريف. وقد بررت لجنة نوبل للسلام التي منحته الجائزة عام 2006م أسباب منحها له مناصفة مع مصرفه الذي ولدت فكرته عام 1976، بقولها إن تحقيق السلام الدائم لن يكون ممكناً دون التخلص من الفقر، وأن القروض الصغيرة تمثل إحدى هذه الوسائل.
• حكى محمد يونس عن كيف نشأت فكرة المصرف وكيف أنها تطورت، فقال إنه بعد أن نالت ببنجلاديش استقلالها من باكستان عام 1971، ترك عمله كمحاضر بالولايات المتحدة الأمريكية، وحمل أمتعته وعاد لبلاده للمشاركة في إعادة بنائها. وذكر كيف أنه جاء إلى بلاده مزهوا بما حصل عليه من علم في الغرب، وكيف إنه كان يعتقد أن كل الأمور في ببنجلاديش ستكون على ما يرام وتحت السيطرة.
• لكن ما إن استقر به المقام في ذلك العام حتى ضربت البلاد مجاعة طاحنة وعمتها فوضى شاملة، عندها تلاشى زهوه كما يقول، وشعر بضالته وتواضعه وقلة حيلته. فقرر محاولة فعل شيء ما، أن يوقد شمعة بدلا عن لعن الظلام” كما يقولون. فأخذ يزور الناس في بيوتهم متلمساً مشاكلهم. فراعه فقرهم ومعاناتهم، وعجب كيف يمكن أن يفتقر الناس لدرجة أن دولاراً واحداً أو دولارين يمكنهما أن يحدثا نقلة كبيرة في حياة الناس.
• فقام من فوره بإعداد قائمة بأسماء 42 شخصاً وجد أنهم يحتاجون لما جملته 27 دولاراً فقط، أقل من دولار واحد للفرد الواحد. وقرر أن يقرض هذه المجموعة ذلك المبلغ من ماله الخاص، ولكنه تنبه إلى أنه إذا قام بفعل ذلك فسيتعين عليه الاستمرار في إقراض ماله الخاص.
• فلجأ أولاً إلى أحد المصارف مستعيناً به لتوفير القروض، ولكن المصرف رفض رفضا مشدداً مناقشة الفكرة من أساسها بحجة أن الفقراء لا يردون القروض، ولا يمكنهم استيفاء شروطها، فلم يكن أمامه سوى أن يتقدم بالضمانات اللازمة للمصرف حتى يقرضه المال ليعيره بدوره للفقراء الذين كانوا عند حسن الظن فيهم فردوا إلى يونس المال الذي اقترضوه منه عند انقضاء أجله.
• حمل محمد يونس نتائج تجربته تلك للمصارف ظناً منه أن نجاحها سوف يقنع المصارف بتقديم القروض للفقراء، إلا أن المصارف تمسكت بموقفها الأول محتجة بأن سداد القرض كان بسب ضآلته ولأن مقترضيه كلهم من قرية واحدة تربطهم بيونس علاقة “الملح والملاح”. فكرر يونس التجربة في قريتين، ثم في خمسة، فعشرة، فعشرين، فثلاثين، فمائة؛ فكانت كلها تجارب ناجحة، ولم يحدث الانهيار أو الفشل للتجربة الذي كانت تترقبه المصارف بل على عكس التوقع تطورت التجربة ونمت وتنامت مما شجع يونس على التفكير في إنشاء مصرفه الخاص.
• وجدت الفكرة معارضة شديدة في بادئ الأمر، وانتقدها البنك الدولي وحكم عليها بعدم الفعالية. ووصفتها الحكومة بالفكرة الجنونية بحجة أن الفقراء ليسوا مؤهلين لاقتراض الأموال، إلا أن يونس لم ييأس وظل يطرق ابواب الحكومة طلباً لدعمها ومساندتها حتى رضخت ومنحته ترخيصاَ بإنشاء المصرف عام 1976م.
• شرع المصرف منذ العام 1983م في منح القروض للمستفيدين الذين لا تتيح لهم حالة الفقر التي بلغوها الحصول على قروض مصرفية تقليدية. وكان الشرط الوحيد الذي تمسك به المصرف مقابل الاستفادة من خدماته هو أن يتم التقديم للقروض ضمن مجموعة لا تقل عن خمسة أشخاص تتكاتف معاً لسداد ما عليها من أقساط.
• تطور المصرف وتوسعت نشاطاته فكانت محصلة ذلك القضاء على فقر أثنين مليون شخص انتقلوا من مصاف الفقراء إلى مجال العمل الشريف والمساهمة التنموية الحقيقية.
• كما تنوعت نشاطات المصرف فلم تعد تقتصر فقط على إقراض الأموال للفقراء واستعادتها منهم، بل صارت تستهدف إحداث تحولات جذرية في حياة الفقراء حتى بلغت مساهمة المصرف نسبة 1% من الناتج المحلي الإجمالي للدولة. كما أصبح المقترضون المتعاملين مع البنك والبالغ تعدادهم 6ر5 ملايين (96% منهم نساء) يملكون أكثر من 90% من أسهم البنك، حوالي 5ر7 مليار دولار. وتبلغ نسبة سداد القروض نسبة 98%، بالرغم من منحها دون ضمانات.
• لقد أرسى محمد يونس بتجربته هذه نظاما للقروض الصغيرة أحدث تغييرات جذرية في مصائر الفقراء. كما أثبتت تجربته أن القضاء على الفقر مسألة إرادة تمتزج فيها المتطلبات الاقتصادية والأخلاقية، وأن ما يحافظ على المال وينقذه من السرقة أو التلاعب، هو الثقة والتضامن والأخوة وليس القوانين واللوائح.
• تجربة محمد يونس خير نموذج يحتذى لمحاربة الفقر ويعتبر به أصحاب الأفكار النبيلة التي استهدفت مساعدة الفقراء وانتهت بمطادتهم وحبسهم والحجز على أملاكهم.
• تجربتان مماثلتان لتجربة محمد يونس هذه طبقتهما كل من الهيئة القومية للغابات والجمعية السودانية للغابات في خمسة ولايات من ولايات البلاد خلال الفترة 2009 –2015، بمشاركة جمعيات صغار منتجي الأصماغ الطبيعية، وذلك من خلال إنشاء صناديق مال دوارة لتوفير التمويل الذاتي لهذه الجمعيات بمبالغ بلغت 100 مرة ضعف المبلغ الذي بدأ به محمد يونس تجربته أول مرة، وذلك بغرض تحقيق الالتزامات الهادفة للقضاء على الفقر المدقع والجوع بتخفيض نسبة السكان الذين يقل دخلهم اليومي عن دولار واحد في اليوم إلى النصف، كما ورد أولاً في الهدف الأول من الأهداف الثمانية لإعلان الأمم المتحدة بشأن الألفية (عام 2000م)، وأهداف خطة الأمم المتحدة الاستراتيجية الأولى بشأن الغابات 2017 – 2030، الرامية إلى القضاء على الفقر المدقع لجميع الأشخاص المعتمدين على الغابات وتحسين سبل عيشهم.
• وقد خلصت التجربتان لذات النتائج التي خلصت إليها تجربة محمد يونس في بنجلاديش من حيث المردود الاقتصادي والاجتماعي الذي هدفت له التجربتان ومن حيث حسن الظن بالفقراء في سداد القروض.
• هذه التجارب مهداة لمن ينشدون سلام السودان ونذروا أنفسهم لقيادة جهود إعادة إعماره.

تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتحياتي.

عبد العظيم ميرغني