رأي

قراءة تحليلية فى الموقف الأفريقي ‏‎ تجاه الأزمة السودانية . (٢-٢)

‏‎بسم الله الرحمن الرحيم .
‏‎ فى هذا الجزء نشير إلى بعض نماذج دول الجوار أثّرت فيها الاوضاع الداخلية ودفعتها إلى مراجعة مواقفها ، و إعمال مقاييس الربح والخسارة ومستقبل موقفها ، وما ينبغى على من ضرورة المحافظة على هذا التراجع ودفعه إلى منصة الرفض الكلى من أجل المحافظة على الاستقرار الأمنى والسياسى فى الإقليم ، ومكافحة نشاط القادة المقامرين والمتساقطين والمنسلخين عن الحركات المسلحة في المنطقة والحد من مخاطر المليشيات تحركاتها عبر الحدود .
‏‎*كينيا ليس بخاف على المتابع السياسي الدعم الذى كانت تقدمه كينيا فى أروقة الإتحاد الإفريقي والايقاد لقوات الدعم السريع وتبنيها لمواقف عدائية ضد السودان ، وقد تراجع الدعم الكيني وإنكفئت على نفسها بسبب اوضاعها الداخلية وتزايد حدة المعارضة على خلفية إجازة البرلمان لقانون جمع الضرائب للعام ٢٠٢٤م بقيمة 2.7 مليار دولار وذلك في ظل أزمة إقتصادية حادة انخفض فيه الشلن الكيني بنسبة 22% مقابل الدولار الأميركي ، عقب تلك المظاهرات اقتحم فيه المتظاهرون مبنى البرلمان أعلن الرئيس الكيني عن تراجعه عن التوقيع على القانون ، و عن مراجعة سياساته الداخلية وأعلن عن فتح حوار مع الشباب وعن عزمه إتباع نهج تقشفي ، وينظر إلى الرئيس (روتو ) على نطاق واسع فى كينيا أنه دائم السفر بالطائرات الكبيرة يطلق عليه منتقدوه لقب (الرئيس الطائر) ويتهم بالخضوع للمؤسسات المالية الغربية .
‏‎*فى أثيوبيا تفاقم الصراع المسلح داخلها بعد إنقلاب مليشيا (فانو) الامهرية على الدولة هى مليشيات حتى وقت قريب كانت تقاتل جنباً إلى جنب مع الجيش الفيدرالى فى إقليم التقراى ضد جبهة تحرير التقراى ، فى وقت مازالت فيه إتفاقية الحكومة الفيدرالية مع التيقراى تشهد اضطراباً فى التنفيذ ، ومازالت نُذر الحرب واردة بسبب سيطرة القوات الإريترية والأمهرة على أراضى التقراى ، فضلا عن الخلاف الذى نشب بينها و الصومال فى توقيعها لإتفاق مع (أرض الصومال ) حيث تسعى أثيوبيا بموجبها إلى إستخدام أحد موانئ (صوماللاند ) مقابل إعترافها بأرض الصومال دولة مستقلة لاحقاً ، الأمر الذى اعتبرته جمهورية الصومال انتهاكاً لسيادتها ووحدة اراضيها ، وتجاوبت الولايات المتحدة الامريكية والصين وجامعة الدول العربية مع إحتجاج دولة الصومال و طالبت أثيوبيا بالتراجع عن هذه الخطوة و التأكيد على سيادة الصومال على أراضيها مما دفع رئيس وزراء أثيوبيا إلى إرسال رسائل يشير فيها إلى عدم رغبتها فى أذية الصومال .
‏‎وتعتبر التحركات المصرية فى ملف وقف الحرب في السودان مؤخرا من دوافع مراجعة الموقف الاثيوبى ودفعها كذلك إلى تبنى مصالحة بين السودان ودولة الإمارات العربية، وقد شكلت زيارة رئيس الوزراء الاثيوبي آبى أحمد أبرز المراجعات الأفريقية بعد أن سبقتها تصريحات أمام البرلمان الاثيوبى بأن بلادها تتعرض لانقلاب ، وبهذا تكون اثيوبيا قد تحركت كثيرا نحو التصالح مع السودان و فتح خطوط التفاوض مع الامارات العربية .
‏‎*فى تشاد و بفضل العلاقات الاماراتية التشادية اصبحت دولة تشاد قاعدة خلفية لنقل الدعم الاماراتى إلى قوات الدعم السريع وتجنيد العشرات من المواطنين التشاديين خاصة القبائل العربية للقتال فى صفوف الدعم السريع .
‏‎لم تدرك الحكومة التشادية خطورة استيلاء قوة غير نظامية على السلطة مثل الدعم السريع التي ينشط في صفوفها العديد من الجماعات العربية على الحدود التشادية السودانية، وبعض المتمردين التشاديين السابقين، انهم سوف يشكلون تهديدًا وجوديًا للنخبة الحاكمة في البلاد، ويعزز الطموحات داخل العشائر الأخرى – لا سيما قبيلة الرزيقات و المجتمع العربي التشادي الكبير على حساب عشيرة الزغاوة ، يحاول المجلس العسكري في أنجمينا المحافطة على توازن القوى خوفا من تراجع قوات الدعم السريع إلى معاقله في دارفور إذا خسر معركة الخرطوم، و سيكونون في الواقع قادرين على خلق بؤرة لزعزعة الاستقرار و مصدر قلق كبير للنخبة الحاكمة في أنجامينا و منذ الانقلاب في النيجر أصبحت تشاد هدفًا للشبكات الاجتماعية المؤيدة للانقلابيين .
‏‎‏‎*اما فى جنوب السودان فقد نجحت ضغوط الدعم السريع ودولة الإمارات العربية المتحدة فى دفع بعض الاطراف في الحكومة والمعارضة للانحياز و التدخل لصالح الدعم السريع ، رغم الجهود التى بذلتها الدولة فى بداية الحرب في النأي بنفسها عن الصراع الدائر في السودان ، إذ أن هذا الصراع قد يفجر الوضع السياسي و الأمنى في جنوب السودان و يجر المنطقة إلى دوامة من العنف لن تنتهى قريبا .
‏‎بات في حكم المؤكد حدوث متغيرات كثيرة لمواقف حكومة جنوب السودان ، بعد أن
‏‎ساهمت ‎مشاركة المرتزقة الجنوبيين فى إضعاف سيطرة الجيش السودانى على بعض مناطق عبور انابيب النفط ومنع الفرق الفنية من متابعة وتقوية محطات الضخ مما أثر على الكميات التى كانت تضخ عبر هذه الأنابيب ، و أضعف العائدات تدريجياً حتى توقفت تماماً وفاقم من الأزمة الاقتصادية ومن المعلوم أن عائدات النفط تشكل أكثر من ٩٠٪؜ من ميزانية دولة جنوب السودان.
‏‎مما نخلص إليه أن دوافع هذه المراجعات في مواقف غالب دول
‏‎الجوار أسبابه تاثيرات الحرب على أوضاعها الداخلية ، وبعض التحركات الدولية الناتجة عن الدولة وتحالفاتها ، كما يتوقع أن تكون لمفاوضات جنيف ونتائجها أثر كبير على هذه المراجعات .
استفاقت بعض الدول من غفوتها بغياب البعد الإستراتيجي فى تأثير اضطراب الاوضاع في السودان عليها سياسياً اقتصادياً وأمنياً .
وأن تورطها بالوكالة في هذه الحرب لن يلبث أن يرتد عليها خاصة أن معظمها دول هشة و لديها مشاكل داخلية كثيرة ليست اقتصادية فقط ، وأن تدفقات الاموال و الاستثمارات الاماراتية لن تعالج كل إشكالاتها .
كما أن هذه لم تكن تضع في حسبانها تحركات الحكومة السودانية السياسية والعسكرية والدبلوماسية والمتغيرات الميدانية العسكرية .
‏‎عليه فإن استمرار تراجع المواقف الأفريقية و الاقليمية رهين بعدة عوامل ، و لايكفي أن تظل العوامل الداخلية لهذه الدول أن تكون وحدها دافعاً لهذا التراجع أو المراجعات، مواصلة الجهود الدبلوماسية والإعلامية فى فضح الدور الإماراتي الداعم للحرب وتأثير ذلك على ألأوضاع الإنسانية ، كشف المزيد من الانتهاكات الانسانية لقوى الدعم السريع ، مخاطبة مخاوف دول الجوار من امتداد آثار الحرب وتطآول أمدها ، بناء التحالفات الدولية لمواجهة الانحياز الغربى وحلفائها في المنطقة ، تحسين وتجويد الاداء الميدانى العسكري للقوات المسلحة السودانية ، تشكيل حكومة مدنية ، وتقوية الجبهة الداخلية.
د.عبدالله ميرغني صالح صارمين