رأي

هل الغابات زراعة ٢-٢

هل الغابات زراعة؟ هذا السؤال أجبت عليه من قبل مرتين، مرة خلال فترة خدمتي مديراً عاما لهيئة الغابات، والأخرى عقب مغادرتي خدمة الهيئة. المرة الأولى كانت حينما استدعيت للمثول أمام لجنة مكلفة س مجلس الوزراء للنظر في طلب تقدمت به وزارة البيئة لضم الغابات إليها. وكان قد سبق هذا الطلب تجربة للغابات في تسعينات القرن الماضي ضمت فيها لوزارة البيئة التي كانت قد أـنشئت لأول مرة في ذلك الوقت، إلا أن الغابات كانت قد تمكنت من العودة لحضن الزراعة بعد حوالي ستة أشهر فقط من تاريخ ضمها للبيئة. ولكن بعد أن فقدت نصف مبناها المكون من ثلاثة طوابق الذي احتلته البية ولم تتمكن الغابات من استعادته لحاجتها الماسة له إلا في عام 2013.
كان الرأي الذي تقدمت به للجنة التي استدعيت للمثول أمامها مستمداً من فحوى أسطورة شعبية تقول إن الحمار حينما يسمع زئير الأسد فإنه يجري نحوه بدلاً من أن يهرب في الاتجاه المضاد بعيداً عنه. وتفسر الأسطورة هذا السلوك الغريب من هذا الحيوان الحكيم، بأن اندفاعه نحو الأسد هو لتعزيته في وفاة والده فيضمن بذلك ألا يتحامل عليه الأسد مستقبلاً وبذلك ربما اتقى شره. بالمثل فإن هرولتنا نحو الزراعة، رغم خوفنا منها بحسبانها الوزارة ذات النشاط الاقتصادي الأكبر استخداما للأراضي على حساب الغابات. بينما البيئة وزارة ذات طبيعة صديقة للغابات يسهل التنسيق معها حتى من على البعد.
كان أن وافقني أبو الغابات كامل شوقي، الذي رأيت أن يشاركني تمثيل الغابات في تلك المقابلة، وافقني في ذلك الرأي الذي ذهبت إليه، وزارد عليه تفضيلنا في الغابات البقاء تحت مظلة الزراعة على ما سواها من وزارات، حتى على خيار أن تكون الغابات نفسها وزارة منفصلة قائمة بذاتها. وقد كنت أعلم أن السبب غير المعلن والذي لم نجاهر به للجنة، والذي جعل أبا الغابات، وجعلنا نحن أيضا في الغابات، لا نفضل أن تكون الغابات وزارة قائمة بذاتها، هو أن في وجود وزير للغابات مشرف عليها ومتفرغاً لها كل الأوقات سيشغلها عن مهامها الأساسية، في حين أن وجود الغابات تحت مظلة الزراعة سيوفر لها من جانب الرعاية السياسية متى ما طلبتها، ومن جانب آخر تفرغها لمهامها بحرية أكثر نسبة لانشغال الوزير، وزير الزراعة والغابات، غالب الوقت بأمور الزراعة والمزارعين التي لا تنقضي.
المرة الثانية التي أجبت فيها على سؤال هل الغابات زراعة، كانت عقب انسلالي من خدمة هيئة الغابات، في أواخر عام 2014م، حينما دخلت ذات صباح على معالي وزير الزراعة والري (هكذا كان اسم الوزارة حينذاك) المهندس إبراهيم محمود في مكتبه. وبينت له الأسباب الموضوعية التي تحتم عودة الغابات التي كانت قد تبعت عام 2009 لوزارة البيئة، لأحضان وزارة الزراعة. وبعد أن أنصت إليَّ باهتمام مليا، عبر لي عن دعمه كوزير للزراعة لهذا الاتجاه، غير أنه استدرك أن الأمر من اختصاص لجنة فنية مشكلة على مستوى مجلس الوزراء للنظر في أمر إعادة هيكلة واختصاصات الأجهزة الاتحادية في ظل إرهاصات بإعادة تشكيل جديد للحكومة، وطلب مني من ثم إعداد مذكرة بحيثيات موضوعية مفصلة، عسى ولعل أن توليها تلك اللجنة الفنية الاعتبار اللازم. ولم تمض سوى بضعة أسابيع حتى عادت الغابات في إطار ذلك التشكيل الوزاري الجديد لحضن وزارة الزراعة التي استعادت اسمها التقليدي القديم، وزارة الزراعة والغابات، منذ ذلك التاريخ وإلى تاريخ اليوم.
كان من أـبرز المبررات التي سقتها في مذكرتي تلك، الوضع الهيكلي الشاذ للغابات تحت مظلة وزارة البيئة، إذ أنه قي حين كانت الغابات تخضع لرقابة لجنة الشئون الزراعية بالمجلس الوطني، كانت مؤسسات وزارة البيئة الأخرى جميعها تخضع لرقابة لجنة البيئة والصحة. وفي حين كانت الغابات تتبع لرقابة القطاع الاقتصادي لمجلس الوزراء كانت مؤسسات وزارة البيئة الأخرى تقع تحت رقابة قطاع الخدمات. عليه صار تصنيف وزارة البيئة، وزارة خدمية أو وزارة إنتاجية، مجال جدل على نطاق المستويين التشريعي والتنفيذي معا.
أما على مستوى الولايات، فإن الغابات كانت تتبع لإشراف وزارات الزراعة الولائية، وعليه فإن وجودها تحت مظلة وزارة الزراعة الاتحادية يعزز من إحكام التنسيق بين المركز والولايات في الشأن الغابي. هذا في حين أنه لم تكن لوزارة البيئة جسم تنفيذي ولائي للتنسيق معه مباشرة في شأن الغابات.
كما أن في بقاء الغابات تحت مظلة وزارة البيئة في ظل تتبيع بحوث الغابات لوزارة الزراعة بعد نقلها من وزارة العلوم والتقانة، هدم للمبدأ الذي من أجله حدثت هذه التبعية. يضاف إلى ذلك العنصر والمبرر الأكثر منطقية، وهو عامل المهنة الواحدة، فالغابات في بعض جوانبها زراعة، وإن كانت تعنى بمحاصيل ذات دورات اقتصادية طويلة المدى الزمني. كما أنه بالرغم مما يفرق بين الغابات والزراعة فيما يتصل بعامل التنافس بينهما كمستخدمين رئيسيين للأراضي، فإن في وجودهما معاً تحت مظلة وزارة واحدة يعزز من فرص التنسيق بينهما، ويقلص من فرص التنافس الضار بالمصلحة العامة.
هذا بالإضافة إلى أن في وجود الغابات تحت مظلة وزارة الزراعة، يتسق ومراحل التطور التاريخي للغابات والزراعة معاً، فالغابات كمصلحة كانت أولاً في العام 1902، ثم تبعتها مصلحة الزراعة في العام 1903، وبقيت مصلحة الزراعة مع مصلحة الغابات تحت إدارة مدير الغابات حتى العام 1905 حين استقلت الزراعة عن الغابات، ثم تدرجت الغابات بعد ذلك وهي في أحضان الزراعة، من قسم إلى مصلحة إلى إدارة قومية ثم مؤخراً إلى هيئة قومية مستقلة ذات شخصية اعتبارية، وخاتم عام وقانون خاص كفل لها حق التقاضي تحت إدارة مجلس إدارة.
كل ذلك حدث على مدى 119 عاماً، من عمر إدارة الغابات البالغ حتى الآن 122 عاماً، خمسة سنوات ونصف السنة منها قضتها تحت عباءة وزارة البيئة، وثلاثة أعوام قضتها في استقلالية تامة تحت سلطان السكرتير الإداري لحكومة الاستعمار، وما تبقى من عمر الغابات، حوالي 114 عام، قضيته مع الزراعة، في مسيرتهما معا، على أنغام الحجل بالرجل يا حبيبي سوقني معاك. فهل بقي بعد ذلك كله مجال لأن يسأل متسائل، هل الغابات زراعة؟

تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتحياتي.

عبد العظيم ميرغني