“ذوبان الجليد الروسي” .. في غرب أفريقيا وشرقها ..

خالد طه
التوصيف الواقعي للعمليات الجيوسياسية الحالية في أفريقيا هو انها تشهد تحولاً ملحوظاً في توازن القوى في المنطقة. بدأ الانحسار في علاقات بعض الدول الغربية، بينما يتنامى الدور والوجود الروسي، بمعدلات تجعل الدول الغربية كلها عرضة لخطر فقدان المزيد من نفوذها في افريقيا. تمظهرت اكبر تلك التحولات في خفض فرنسا لوجودها العسكري في أفريقيا غربا وشرقا، وذلك ضمن استراتيجية جديدة وجدت فرنسا نفسها مجبرة على تبنيها، تقوم الاستراتيجية الجديدة على تقليل تدخلاتها العسكرية المباشرة، وتسمح بدخول قوات متعددة الجنسيات او قيام قواعد عسكرية لبلدان اخرى – غير فرنسا – في مناطق نفوذها التي كانت حتى وقت قريب حصرا على الوجود الفرنسي، مثل (مالي، وتشاد، والغابون، وغينيا، وبوركينا فاسو، والنيجر، والجابون، وجيبوتي)، بالمقابل تُسارع روسيا في توسيع نفوذها من خلال توطيد علاقات دبلوماسية، واقتصادية، وعسكرية، مع تبني خطوط “سايكو سياسية” وتفعيل تأثيرات العوامل النفسية واسقاطاتها على القرارات السياسية وسلوكيات الأفراد والمجتمعات في المجال السياسي، مع إضفاء البعد الذي يراعي عدم إثارة (الغضب التراكمي) لدى الشعوب الإفريقية التي عانت لعقود طويلة من الاستغلال ونهب الثروات وفرض التبعية. يذكر أن إحدى أسباب أو مسوغات الانقلابات كان هو تلك الوصمة المهينة (التبعية) .
*خطة موسكو*
ظهر الدور الروسي بوضوح في تمتين العلاقات مع الحكومات الجديدة الناتجة عن انقلابات غرب افريقيا العسكرية، عبر توفير الدعم العسكري وترقية التعاون الاقتصادي، وتقديم نموذجا يؤهلها لان تصبح بديلاً جاذباً للدول الأفريقية التي تبحث عن “شراكات جديدة” تخلصها من النفوذ الغربي، وتضمن استمرارها كسلطة جديدة في ذات الوقت، وتحافظ على السند الشعبي المنطلق من رفض الدور الغربي عموما بناء على تاريخ مقاومة الاستعمار، ويحقق لروسيا تقدم في سباق المصالح الدولي.
*ساحات السباق*
يرى الكثيرين أن منطقة الساحل الغربي لأفريقيا، من النقاط الأكثر سخونة، في صراع المصالح بين القوى الكبرى الآن، وتعتبرها روسيا مسرحا و فرصاً لتوسيع نفوذها بالتعاطي الايجابي مع قادة العديد من الانقلابات التي تمت في الفترة الأخيرة – في مالي وبوركينا فاسو والنيجر-
لكن وبعوامل دفع أخرى يشهد الساحل الافريقي الشرقي أيضا سباقات بدأت مكتومة اولا، ثم تعالت بنبرة معتدلة نوعا ما، ودعوات لإنشاء حلف روسي شرق افريقي أطلقت من اسمرا، لكن تصاعد احداث اليمن وجنوب البحر الاحمر وخليج عدن،
ستُظهر بوضوح أبعاد ومدى المنافسة بين القوى الغربية، التي تسعى للحفاظ على نفوذها التقليدي، وروسيا، التي تسعى للاستفادة من التغيرات التي طرأت في المنطقتين- غرب وشرق افريقيا- بل تعمل أيضا على توظيف الاضطرابات السياسية، والحروب، لتعزيز وجودها الاستراتيجي والاقتصادي، وسيكون لها حظا اوفر في حال إستمرار الغرب في النهج القديم.
*المطالب .. تحريك الساكن*
بعيدا عن إمكانية التطبيق الفعلي، والتحديات على الصعيدين العملي والدبلوماسي، و دون الدخول في التفاصيل، يأتي اقترح نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف الداعي الى “التغلب” على الغرب بطرح القضايا المتعلقة بالعدالة التاريخية، وزيادة الضغوط السياسية، عبر المطالبة بتقديم التعويضات للشعوب الافريقية – بما في ذلك تجارة الرقيق- بالدرجة التي لو نفذت ستلحق ضررا بالدول الغربية.
صحيح ان التناول الواقعي يؤكد أن عملية دفع التعويضات للأضرار التاريخية أو الأفعال الاستعمارية هو مسعى معقد للغاية، ويستلزم موافقة وتعاون الدول المعنية، كما يتطلب تحديد الجوانب الدقيقة للأضرار والتوصل إلى تقييمات مالية عادلة.
كما قد ترفض هذه المطالبات، مما قد يؤدي إلى توترات دبلوماسية وقد يُنظر إليها كاستراتيجية سياسية أكثر منها عملية.
*تعويضات مبررة، ولكن ..*
قد يحدث الاقتراح الروسي هزة و أثرا سياسيا في بعض البلدان الافريقية، وقد يؤدي ايضا إلى تعزيز المشاعر الوطنية والقومية في الدول المتضررة، ويمكن ان يدفع الى تنامي الجدل والضغوط السياسية على السلطات داخل البلد والدول الغربية، لكن تأثيره على الاقتصاديات الغربية سيكون محدود. تلك المحدودية تعود الى التعقيد في عملية تحديد وتعويض الأضرار التي حدثت على مدى سنوات طويلة، وضرورة تبني منهجية منصفة وعادلة.
في الجانب الافريقي ليس هناك شك او اختلاف في توفر حجج قوية لدعم فكرة تعويض الدول التي تأثرت بالاستعمار أو تجارة الرقيق، ولن تقدم الدول الغربية على النكران، حيث يمثل ذلك الاعتراف جزءاً من السعي لتحقيق العدالة التاريخية وإعادة التوازن، لكن هناك آراء -في الجانبين- لا تدفع بإتجاه تحقيق التعويضات بشكلها الجزائي، بل يفضلون التركيز على بناء علاقات مستقبلية وتعاون فعال بدلاً من الانغماس في مشكلات الماضي.
*نموذج جديد*
الواضح ان روسيا اعتمدت مؤخرا مواقف وسياسات تبدو حصيفة في تعاملها مع الدول الأفريقية، اهتمت بفكرة القبول، وتقديم نموذج بديل عن النمط الاستعماري الغربي، وتقوية التعاون عبر شراكات اقتصادية، والتنسيق الدبلوماسي، والتعاون العسكري، والمساعدات الإنسانية. لكن سيظل تأثيرها محدودا مقارنة بالقوى الغربية الكبرى التي لها التاريخ الطويل من الاستثمارات والروابط السياسية في افريقيا. اذن، حجر الزاوية في السياسة الخارجية الروسية هو الحفاظ على التوازن بين (التعاون والنفوذ) وتأكيد عدم النزوع للسيطرة، وهو عامل جذب للعديد من الدول الأفريقية التي تبحث عن علاقات خالية من الهيمنة التقليدية، ومع ذلك، تبقى فعالية هذا النهج في تحقيق استقلال حقيقي ومستدام موضع تساؤل مهم.
يظهر الموقف الروسي الحالي في أفريقيا كوسيلة للترويج لنموذج تعاوني بديل يحترم استقلالية الدول الأفريقية، لكنه يواجه تحديات تتعلق بمدى فعاليته واستدامته مقارنة بالوجود الغربي القديم والمتجدد في القارة، والتاريخ المتقطع للوجود والسند الروسي لتجارب افريقية كانت حليفة لها.