نحن أصلنا كده

حكى الشيخ أحمد محمد يسن، رئيس أول مجلس شيوخ سوداني، في مذكراته عن حادثة وقعت عام 1928م، أيام كان طالباً بكلية غردون، فقال حدث في حوالي الساعة العاشرة مساء أحد الأيام وبعد أن اطفئت الأنوار بالداخلية إيذانا بالنوم وعدم الكلام أو الحركة، أن تحدث أحد الطلبة إلى جاره حديثاً خافتاً، بينما كان رئيس الداخلية يمر بجوارهما دون أن يلحظاه، فما كان من الرئيس وهو طالب نهائي، إلا أن هجم على ذلك الطالب المسكين، الذي وقف احتراماً، فضربه كفاً صرعه على السرير الخشبي، الذي انكسر من شدة سقوط الطالب عليه، فحمل الرئيس الطالب على الوقوف من جديد وأمره أن يذهب في الغداة إلى الضابط المسؤول ويقوم يسداد ثمن السرير المكسور، وقد كان.
ونحن بعد تلاميذ صغار، نسكن داخليات مدرسة بخت الرضا الأولية المسماة بداخليات “ديم بكر”، كان لنا رئيس في كل عنبر من عنابر كل منزل من المنازل الخمسة المكونة لداخليات ديم بكر، وكان لهؤلاء الرؤساء رئيس يسمى رئيس الرؤساء.
كان لرئيس الرؤساء والرؤساء في كل منزل امتيازات ونفوذ وصلاحيات واسعة غير مكتوبة بالطبع دون أن يكون عليهم ما على زملائهم التلاميذ الآخرين من واجبات. كان من صلاحيات (الرئيس) مثلاً أن يوقع الجزاء على من يخالفون النظام (حسب فهمه هو للنظام ولمخالفته). وكان من صلاحياته كذلك أن “يشيِّل” أياً من التلاميذ نبطشية” ليوم أو أسبوع أو أكثر حسبما يراه مناسباً لما ارتكب من جرم في نظره.
المقصود بـ”النبطشية” أن يقوم التلميذ المحكوم عليه بها بالأدوار التي يؤديها زملاؤه بالتبادل في الأحوال العادية كل في يومه المحدد، كنظافة العنبر اليومية مثلاً، وجلب صواني الأكل من المطبخ (في الفطور والغداء) إلى قاعة الطعام (السفرة)، وجلب وجبة العشاء و”البرطمانية” أو “البرطم” كما كنا نسميها اختصاراً، وهي إناء كبير من الألمونيوم مخصص لجلب شاي الصباح ولبن ما بعد وجبة العشاء، إلى الساحة التي أمام المنزل حيث يتم توزيعهما وتناولهما.
كان للرؤساء بروتوكولاً خاصاً في توزيع شاي الصباح ولبن ما بعد العشاء، حيث كان الرؤساء يصدرون أوامر مشددة للجميع بالبقاء داخل العنابر مع الالتزام بعدم التلصص على عملية التوزيع التي يقوم بها الرؤساء في الخارج، حيث يبدأ التوزيع أولاً بتعبئة “جكوك” الرؤساء (سعة الجك 5 أضعاف سعة الكوب الواحد الذي هو نصيب كل تلميذ) باللبن أو الشاي، ولا ينسى الرؤساء بالطبع تعبئة أكوابهم أيضاً قبل أن ينصرفوا بعد ذلك إلى تعبئة أكواب رعيتهم التلاميذ. وفور الانتهاء من التوزيع أو في بعض الأحيان بعد أن يكون الرؤساء قد ارتشفوا كوباً أو كوبين من حصيلتهم اليومية من (الثروة)، يقوم أحدهم برفع عقيرته بالنداء: أن “هِبُّووووا”، فتتفتح الأبواب المغلقة ويندفع كل واحد منا نحو كوبه لينعم بما قسم له من (الثروة).
بعد تناول شاي الصباح أو لبن المساء يقوم كل تلميذ بغسل كوبه بالصابون تحت إشراف رئيس العنبر الذي قد يجيزه من أول مرة أو يأمره بإعادة الغسل مرات ومرات بقوله “أدعك”، حسب مزاج الرئيس أحياناً وحسب العلاقة الشخصية التي تربطه مع “الداعك” أحياناً، ومن مهام التلميذ النبطشي في كل عنبر أن يتولى غسل “جك” رئيسه وكوبه، وغسل البرطم إن كان الدور في مسؤولية غسله على عنبره، وأن يتولى غسل جك وكوب رئيس الرؤساء كذلك، مستخدما حصته الشهرية من الصابون المخصص له لغسل ملابسه.
وجبة الغداء هي الوحيدة التي كان تناولها يتم في السفرة بعيداً عن نفوذ الرؤساء، ولذلك كان يمارس فيها نوعاً من أنواع العدالة في التوزيع، فقد كانت “لحمة الملاح” تقسم بالتساوي في “كيمان” ثم يطلب من أحدهم أن يدير ظهره للقيام بعملية التوزيع بمجرد سماع النداء: الكوم ده لمنو؟ فيجيب: لفلان، وده لمنو؟ لعلان، وهكذا حتى يكتمل التوزيع. ولكن لما كانت العدالة دوماً منقوصة فقد كانت تحدث أحياناً بعض التجاوزات، كأن يبرم اتفاق مسبق بين من يقومان بعملية التوزيع يضمن لكليهما نصيباً أجود من (الثروة)، من شاكلة “الكوم” الذي يجاور العظمَ فيه اللحمُ. وقد يحدث العكس، كأن يتآمر الجميع على من يدير ظهره ليقوم بعملية التقسيم فيجعلون نصيبه “جلافيط وعصب”، ومثل هذه الممارسات التي عرفناها في حياتنا الباكرة في داخليات ديم بكر هي على ما يبدو سلوك شائع ومعتاد وممارس في كل عمليات محاصصات قسمة الثروة والسلطة في أي مكان وأي زمان.
كانت “الكسرة” هي خبزنا” الثابت في وجبتي الغداء والعشاء، وكانت للحكومة “عواسات” للقيام بالمهمة، أما “الرغيف” فيقتصر وجوده على وجبة الإفطار فقط، لذلك كانت له “غلاوة” خاصة لدينا، أوجبت على من يود قضاء عطلة نهاية الأسبوع مع ذويه أن يهب “رغيفة” إفطار يوم الجمعة لرئيسه، فممارسة الرشاوى لم تكن غائبة على صعيد مجتمعنا الصغير في ذلك الزمان الباكر.
في داخليات ديم بكر تفتحت عيناي على تجربة عرفت فيما بعد أن اسمها الحقيقي هو المحسوبية واستغلال النفوذ، كان توزيع التلاميذ الجدد على المنازل الخمسة يتم بطريقة عشوائية، فرماني حظي العاثر في منزل بينما تم توزيع بلدياتي الذين قدموا معي في منزل آخر فشعرت بالوحشة لمفارقتي لهم، فشكوت لقريبي (الرئيس) لاحد عنابر المنزل الذي حظي به بلدياتي فقام باللازم حيال إلحاقي ببقية بلدياتي بإجراء تعديل (طفيف) في كشوفات التوزيع، هكذا تمتع التلميذ الصغير والطفل اليافع بتذوق ثمار وساطة حقيقية لأول مرة.
كانت ممارسات الرؤساء تمتد أحيانا إلى ذات بعد الممارسات التي كان يمارسها رؤساء داخليات كلية غردون. أذكر أن رئيس العنبر المجاور لعنبرنا سأل أحد التلاميذ الجدد ويدعى “عيسى” عن اسمه، فلما أجابه بفوله “عيسى” صفعه بقوة، ثم كرر عليه ذات السؤال مرة أخرى، ولما كرر التلميذ ذات الإجابة (عيسى) صفعه مجددا بقوة أشد. كان في زماننا ذاك إذا سألت أحدهم عن اسمه ورد بقوله (عيسى) ولم يكن اسمه كذلك فهذا يعني تضجره وتبرمه من السؤال، هكذا فهم (الرئيس) إجابة ذلك التلميذ الصغير الذي كان اسمه بالفعل عيسى، وعدها تجرؤاً على سلطاته.
بالطبع لم يحتج الزميل الصغير كما لم يحتج أي منا من قبله أو يحاول رفع راية العصيان على (رئيس)، رغم أننا جميعاً سواسية في كل شيء ومتساويين، فكل منا كان قد جاء للداخلية على سطح لوري وكان يحمل في يده “شنطة صفيح”. فالوم لا يقع على (رؤسائنا) وحدهم وإنما بقع علينا نحن قبلهم، فهونوا على انفسكم ولا تظلموا سياسييكم، فنحن أصلنا كلنا من زمان كده.
تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتحياتي.
عبد العظيم ميرغني