عتاب الأشقاء

الدكتور الخضر هارون
في ٢٣ يونيو ٢٠٢٣
قال المتنبي في عتابه لسيف الدولة:
هذا عتابك إلا أنه مقة قد ضمن الدر إلا أنه كلم!
مقة أي محبة وهذا العتاب شبيهه في مراميه ، قد لا يبلغ أن يكون درراً كأبيات أبي الطيب وهو من دهاقنة الكلم ،لكني أرجو ألا يتعدي معني العتاب وإن فعل فللأشقاء العتبي إلي حد الرضا!
كاد الناس عندنا من جراء خذلان الأشقاء وتقاعسهم عن نجدتهم أيام الكريهة هذه ، وهم يرون علي البث الحي دورهم تستباح وأعراضهم تنتهك ومؤسساتهم تدمر ووسائل العيش الكريم تغلق في وجوهم فيتوقف السعي إلي الرزق والاختلاف إلي مواقع العمل ومظان الدراسة وطلب العلم بل ومجرد التجوال في شوارع مدنهم وإغلاق الحدود في وجوه الفارين من جحيم الموت إليهم في بلدانهم فيموت العجزة منهم من وعثاء السفر الطويل وقلة الدواء وانعدام الغذاء ، نعم كادوا يستشهدون وحق لهم بأبيات قريط بن أنيف:
لوكنت من مازن لم تستبح إبلي بنو اللقيطة من زهل بن شيبان
إذن لقام لنصري معشر خشن عند الحفيظة أن ذا لوثة لانا
قوم إذا الشر أبدي ناجذيه لهم طاروا إليه زرافات ووحدانا
لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات علي ما قال برهانا
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ومن إساءة أهل السؤ إحسانا
كأن ربك لم يخلق لخشيته سواهم دون الناس إنسانا
تذكرت عندئذ كلمات سمعتها وأنا صبي في التعليم العام من شيخ وقور من شيوخ الأردن رابط الجنان ذرب اللسان يقول بأسي بالغ وقد أطبقت إسرائيل علي ما تبقي من فلسطين بزيادة سيناء وغزة والقنيطرة في هضبة الجولان والضفة الغربية لنهر الأردن وكان صبية السودان يتدافعون علي مكاتب التسجيل في كل مدن السودان تطوعاً للقتال في فلسطين والتي لم يرسلهم إليها أحد :أيها الاخوة إن أشقاءكم في فلسطين يطلبون الموت الشريف فأعينوهم علي الموت الشريف! لم يطالب بغير ذلك كأنه لا يطمع عندهم سواه!
السودان هذه الرقعة الممتدة من جنوب مصر ومن سواحل البحر الأحمر إلي عمق القارة السمراء بسكان ببشرة داكنة كتربة القارة التي شوتها بالحرارت الشموس وبلسان عربي مبين يحملون في جوانحهم نبلاً منذ أن كان الانسان. قالها مؤًرخ الاغريق عندما بلغ تخوم النوبة حيث وصفهم بأحباب الله .ثم جاء في العهد القديم في وصف بلادنا ( يا أرض حفيف الأجنحة التي عبر أنهار كوش المرسلة رسلاً في البحر وفي قوارب من البردي علي وجه المياه اذهبوا أيها الرسل السريعون إلي أمة طويلة و جرداء ، إلي شعب مخوف منذ كان فصاعداً أمة قوة وشدة ودوس قد خرقت الأنهار أرضها .) أشعياء .
ثم من الله علي البشرية بالرسالة الخاتمة لرسالات السماء فحملوها بصدق وعزيمة ينوبون عن الأوطان التي ترعرع فيها ذاك الدين القيم بين جدران المساجد الكبيرة ذات الصيت الحسن في القاهرة ودمشق وبغداد ودار الهجرة والقيروان وقرطبة بعد أن انقطع رفدها ،بقليل زاد لكن بعزيمة أصلب من الفولاذ وظلوا أوفياء لها يتحملون في سبيلها الصعاب والغزوات والمكر والمؤامرات وحدهم في غالب الأحيان . رآها العالم المستكبر الذي رحل جسدا وبقي في العقول والرؤي يضحك في دواخله علي استكانة العبيد وجهلهم إزاء النفع لبلادهم بما يفيد إذا رأي خبثه يمشي علي الأرض بساقين وهو بعيد هانئ في بلاده ودون كلفة وعناء وإذا فسدت أحابيله الشريرة وفشل تلاميذه الأوفياء في تحقيق المراد نزع البرقع الذي يغطي وجهه وأسفر عن وجه في دمامة الغول والعنقاء والفعل المستقبح ومزق بيديه المواثيق التي كتبها بيديه للهيمنة علي الملونين في العالم بالمخادعة ولحن القول. حار في حملة هذه الوجوه المحروقة هؤلاء حين أتي في جحافله الغازية متعجباً من قدرتهم علي الفعل في حمل تلك الثقافة التي عزم علي حربها بكل السبل .
قال القس سبنسر ترمنقهام: وجدنا أسواق الجنوب قد غدت مثل أسواق الشمال! أي بدأت مسيرة التمازج الثقافي بين شقي السودان فسارعوا بالتدابير لوقف ذلك. قال بعد ذلك ( ولو لا منع تدريس اللغة العربية في الجنوب عام ١٩٢٨ لما وقف عائق في وجه الاسلام حتي جنوب إفريقيا.) كما كانت قوانين المناطق المغلقة لمدة ٣٠ عاما كاملة حائطا يمنع ذلك الانتشار الوئيد الطبيعي من النمو . حيطان غرسوا بداخلها بذور البغض و الكراهية تلك التي أسالت الدماء وشطرت البلاد .
وكأن ذلك لم يكن كافيا فتتسارع الخطي الماكرة الغدارة للاجهاز علي ما تبقي من البلاد سيما وقد اتضح أن البلاد سوي معدن أهلهاً النفيس القادر علي العطاء ونشر الخير والقيم السمحاء في القارة التي عانت منذ أن عرفت قبل قرنين، أنها وافرة أيضاً بكل معادن الأرض كأنما بنيت علي قلعة من الذهب وفي جوفها وسطحها مياه وفيرة وأراض سخية معطاءة لا تعرف البخل. جاءوا أليها بكل ما اخترع الشيطان من مكر وفي ركابهم بعض العاقين من أبنائها وأشقاء متآمرين وآخرين من ورائهم استعصموا بالصمت البليد وقنوات برعت في المحاكاة، محاكاة قنوات العالم المهيمن وكأننا لا نملك من رصيدنا الحضاري العظيم ما نقدم للانسانية الفقيرة الخبر والحكمة والاعتدال .وفي شأن مأساتنا تصرف الأنظار عن عورات كثيرة وكبيرة في عالمنا ومن حيث تبث بالتعويض بكشف حالنا وإشباع الفضول بما يعانيه شعب شقيق من أفعال أوباش التتار : اغتصاب الحرائر وإذلال الشيوخ وسرقة الممتلكات وتعطيل دولاب الحياة علي الجملة.
قلت متأملًا كلمات الشيخ الأردني التي تطلب العون علي الموت الشريف ،تراه قد بلغ به حد اليأس من خير في هذه الجموع العربية التي لم تعد هادرة فتذكر مناحة نزار قباني يوم وقعت الهزيمة الكبري قبل عقود في هذا الحزيران الذي تنقضي أيامه الآن والصورة علي امتداد الوطن العربي أكثر قتامة حيث ماتت فيها الحماسة حتي للشجب والتنديد أسلحة تلك الأيام الهالكات وحل محلها التبرم حتي بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة فعنترة أبو الفوارس قد مات وأصبح مجرد التأمل في ذكراه العطرة، الشجاعة والعفاف، جريمة موجبة للعقاب. يبدو أن الشيخ يتشبث ببعض أمل في أجيال قادمات:
يا أيها الأطفال من المحيط للخليج
أنتم سنابل الآمال وأنتم الجيل الذي سيكسر الأغلال
أنتم الجيل الذي سيقتل الأفيون في رؤسنا ويقتل الخيال
يا أيها الأطفال أنتم بعد طيبون طاهرون كالندي والثلج طاهرون
لا تقرأوا عن جيلنا المهزوم
فنحن تافهون مثل قشرة البطيخ تافهون
نحن منخورون كالنعال
لا تقرأوا أفكارنا لا تقتفوا آثارنا
لا تقبلوا أفكارنا
أنتم سنابل الآمال
أنتم بذور الخصب في حياتنا العقيمة وأنتم الجيل الذي سيهزم الهزيمة!
وكان جدي وقد ضعف سمعه متشبثاً بالمذياع ينصت لآيات الرحمن.
ثم جاء دور الأناشيد في المذياع:
لي افريقيا نمد الأيدي ..أيدي شباب فكر نبيل
ولما ينادي الوطن العربي نخوض في الموت علي كل دخيل!
رمقني وأنا أردد ذينك البيتين بنظرة صامتة من الاستنكار تقول بلغة العيون : أين هم ؟! ما أقسي علي النفس خيبة الرجاء.لكن الرجاء في الله لا ينقطع وغدا ً تشرق الشمس ويشع الضياء وتختفي الخفافيش!.