صفحات من تاريخ بحوث الصمغ العربي

• تعرض حالياً، وللمرة الثانية أو الثالثة لا أذكر، مقالة متداولة على نطاق واسع بالوسائط الاجتماعية، تبدأ المقالة بديباجة تقول: “كاتب المقال دكتور مهندس كيميائي عصام صديق، خريج هندسة الخرطوم في السبعينات… الخ). كل ما جاء في هذه الديباجة من معلومات في حق الدكتور عصام صديق، وهو رقم كبير وبارز في عالم الصمغ العربي، صحيح عدا نسبة المقالة المذكورة إليه.
• صاحب المقالة هو بروفيسور عبد العزيز عبد الرحيم، الأٍستاذ بكلية العلوم جامعة الخرطوم حسب علمي وتواصلي معه، ويمكن للقارئ أن يراجع مقدمة المقالة الأصل التي بدأها البروفيسور بالقول: سلام أحبتي الأفاضل؛ اذكر في الزمن الطيب أنني في إطار تجسير شراكة استراتيجية بين جامعة الخرطوم و.. الخ. هكذا تحدث البروفيسور عبد العزيز الأستاذ بجامعة الخرطوم لا الدكتور عصام مدير شركة سافنا، والأثنان متقاربان في الأفكار ومن هنا جاء الخلط بينهما.
• المقالة المذكورة وما ورد فيها سبق أن عقبت عليها بالتفصيل في إحدى مقالاتي المنشورة في إطار سلسلة قضايا لزجة والتي نشرتها بمناسبة مرور مئتي عام على تنظيم تجارة الصمغ العربي بالسودان (1823 – 2023)، ومرور عشرون عاما على تعميم تجربة جمعيات صغار منتجي الصمغ العربي في السودان (2003 – 2023). وهي متاحة لمن يطلبها. ولكن لا بأس من الإضافة لمن نوهت مقالة البروفيسور بضرورة تكريمهم، ومن بينهم بروفيسور أحمد الحوري أحمد وهو أستاذي في الجامعة ورئيسي المشرف حين كنت أعمل ببحوث الغابات.
• هناك الكثيرون ممن يستحقون التكريم في مجال بحوث الصمغ العربي بالسودان، والذي بدأ منذ العام 1911م ببعض التجارب الحقلية بمنطقة الأبيض (السعاتة بخاري) وأم روابه، لإنشاء جنائن الصمغ عن طريق الاستزراع إذ كانت كل جنائن وشاقات الصمغ العربي قبل ذلك التاريخ غابات طبيعية صرفه.
• في العام 1957م، في أعقاب السودنة، استبقت حكومة السودان بتوصية من مدير الغابات كامل شوقي، المستر “فايدال هول” الذي كان يعمل محافظاً لغابات الاستوائية وكلفته بمتابعة بحوث الغابات بشكل منظم في منطقة الأبيض. فقام بإجراء العديد من البحوث الحقلية في مجالات تحديد المسافات البينية المثلى لزراعة أشجار الهشاب.
• في العام 1964م استقدمت حكومة السودان باحثاً بلجيكياً يدعى “ريندرز” وعين خبير الغابات المعروف أبو القاسم سيف الدين كمعاون له، فقاما بالعديد من البحوث في مجالات فلاحة أشجار الهشاب، وإنتاج البذور، ورصد وتسجيل الخصائص الفسيولوجية لأشجار الهشاب، الخ.
• في ذات هذه الفترة أنشئت غابة “الدموكية” التي تحتوي على أصول وراثية لأشجار هشاب مختارة ومنتقاة عالية الإنتاجية، وتوالت البحوث العلمية في مجال الصمغ العربي من بعد ذلك تحت مظلة مصلحة الغابات حتى سبعينات القرن الماضي، حين صارت بحوث الصمغ العربي تشرف عليها محطة بحوث الابيض التابعة لهيئة البحوث الزراعية، ومركز ابحاث الصمغ العربي بجامعة كردفان، قبل أن ينضم إليهما الباحثون المنتسبون لكليات الغابات والموارد الطبيعية التي أنشئت في عدد من الولايات المنتجة للصمغ العربي، وأيضاً المتعاونون مع مجلس الصمغ العربي وكرسي الصمغ العربي، الخ.
• في مجال بحوث كيمياء الصمغ العربي، فقد تمكن أبو الغابات كامل شوقي في حوالي العام 1958 من توفير مبلغ أربعة آلاف دولار لإجراء بحوث في مجالات كيمياء الصمغ العربي بالتعاون مع جامعة “أدنبرة” بالمملكة المتحدة والتي تخرج فيها، وذلك بعد أن اعتذرت جامعة الخرطوم عن القيام بالمهمة، فتولاها في جامعة “أدنبرة” بروفيسور “آندرسون” الذي تحول من تخصصه في مجال كيمياء السكريات إلى كيمياء الصمغ العربي، ونبغ في هذا المجال بفضل مبادرة كامل شوقي، حتى صار مستشاراً للجنة المشتركة المشكلة من منظمة الأغذية والزراعة العالمية الفاو ومنظمة الصحة العالمية لمضافات الأغذية (جيكفا JECFA). في في عام 1978م اعتمدت الجيكفا أول مواصفة للصمغ العربي كسلعة تجارية والتي أعدها البروفيسور آندرسون. وهي المواصفة التي عرَّفت الصمغ العربي بأنه النضح الجاف المستخرج من أشجار الهشاب. وقد تقرر حينذاك إخضاع تلك المواصفة للمراجعة كل أربع سنوات، وقد تمت مراجعتها بالفعل في عامي 1982م و1986م دون إدخال تعديلات عليها. وفى العام 1990م أدخل البروفيسور” آندرسون” عليها بعض الخواص العلمية مثل الدوران الضوئي النوعي، ومحتوى النيتروجين والبروتين، وهي خواص “كالبصمة” تٌفرِّق تماماً بين جميع أنواع الأصماغ الطبيعية. وكان الدافع لتبني تلك المواصفة هو التمييز بين الصمغ العربي وبقية الأصماغ الأخرى، للحيلولة دون خلطها أو مزجها مع الصمغ العربي. وقد أسهمت المواصفة في جعل سوق الصمغ العالمي حكراً على صمغ الهشاب السوداني (الصنف سينقالاينسس) دون اصناف صمغ الهشاب الثلاثة الأخرى التي توجد في بعض البلدان الأفريقية الأخرى. واستمرت هذه المواصفة التي كرست لاحتكار السودان سوق الصمغ العربي العالمي حتى العام 1999 حين أضيف إليها صمغ الطلح بجانب صمغ الهشاب بالتصويت، مما تسبب في كسر احتكار السودان لسوق السلعة عالمياً.
• بطرفي قائمة طويلة من أسماء الباحثين في شتى تخصصات بحوث الصمغ العربي، ممن ترفع لهم القبعات احتراما ويستحقون التكريم لما قدموه في مجال بحوث الصمغ العربي وتنميته، وأكتفي بذكر الأموات منهم عليهم الرحمة، دون ذكر للأحياء الذين لا يزال عطاؤهم مستمراً، وأذكر من هؤلاء أبو الغابات محمد كامل شوقي وبروفيسور كرم الله أحمد كرم الله ودكتور عبد القادر محمد عبد القادر ودكتور موسى محمد كرامة ودكتور عبد اللطيف الطيب ودكتور عبد الماجد عبد القادر. ومن الأجانب بروفيسور آندرسون، والمستر فايدال هول والمستر ريندرز. ومن الأحياء أطال الله في أعمارهم جميعاً هناك العشرات.
مقتطف من مذكراتي الشخصية “سنوات في الغابات: سيرة وذكريات مدير عام سابق للغابات”.
تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتحياتي.
عبد العظيم ميرغني