المرأة والطفل.. أولوية ما بعد الحرب

كتبت /حفيه الياس
في الحروب، لا تُقاس الخسائر بعدد القتلى والنازحين وحدهم، فهناك خسائر صامتة تمتد آثارها لسنوات؛ أطفال حُرموا من مدارسهم، ونساء تحملن مسؤوليات أسرهن في ظروف قاسية، وأسر فقدت مصادر رزقها وأمانها واستقرارها.
لهذا فإن استحداث مستشارية المرأة والطفل يأتي في توقيت بالغ الأهمية، ويعكس إدراكاً بأن قضايا النساء والأطفال يجب أن تكون في قلب أجندة الدولة، لا في هامشها.
فالمرأة السودانية لم تكن مجرد متلقية لآثار الحرب، بل ظلت في كثير من الحالات السند الأساسي للأسرة، وتحملت أعباء النزوح والفقد والمسؤولية الاقتصادية والاجتماعية. أما الأطفال، فقد دفعوا ثمناً مضاعفاً بحرمانهم من التعليم والرعاية الصحية والبيئة الآمنة، بما يهدد جيلاً كاملاً بآثار نفسية واجتماعية وتعليمية طويلة المدى.
ومن هنا، فإن أهمية المستشارية لا ينبغي أن تتوقف عند تقديم المشورة، وإنما في قدرتها على تحويل قضايا المرأة والطفل إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ، والتنسيق بين مؤسسات الدولة والشركاء، ومتابعة ما يتم تنفيذه على أرض الواقع.
والتحدي الحقيقي أمام المستشارية هو أن تجعل صوت المرأة والطفل مسموعاً في صناعة القرار، وأن تنتقل بقضاياهما من خانة الاستجابة الإنسانية العاجلة إلى خانة الحقوق والتنمية والتمكين.
فمرحلة ما بعد الحرب ليست فقط مرحلة إعادة بناء الطرق والمستشفيات والمدارس، وإنما هي قبل كل شيء مرحلة إعادة بناء الإنسان.
وإذا كان السودان يريد أن يصنع سلاماً مستداماً، فعليه أن يستثمر في المرأة، ويحمي الطفل، ويعيد إليهما ما سلبته الحرب من أمان وفرص وأمل.
وهنا تحديداً يمكن أن تكون مستشارية المرأة والطفل أكثر من مجرد كيان جديد في مؤسسات الدولة؛ يمكن أن تكون منصة لصناعة السياسات التي تحفظ حقوق جيلٍ دفع ثمناً باهظاً للحرب، وتفتح أمامه الطريق نحو مستقبل أكثر أمناً وعدلاً.