رأي

من أزمة الطاقة إلى قوة وطنية كبرى: رؤية استراتيجية لحل أزمة الطاقة في السودان وبناء اقتصاد طاقة منتج

إعداد ; المهندس عبدالرحمن محمد زين (مجدي)

محرر الصحة والسلامة والبيئة – The Citizen Newsletter

خبير التبريد الصناعي ومبردات الامتصاص بالبخار (VAM Chillers)

رئيس لجنة التبريد – فرع جمعية ASHRAE الأمريكية في السودان

عضو جمعية مهندسي البيئة – المملكة المتحدة

البريد الإلكتروني: mr.zainrac@gmail.com

أولاً السودان لا يحتاج ببساطة إلى المزيد من الكهرباء

على مدى عقود، تعامل السودان إلى حد كبير مع أزمة الكهرباء باعتبارها مشكلة في التوليد.

فعندما يرتفع الطلب على الكهرباء، يكون الرد التقليدي هو البحث عن محطة توليد جديدة، أو مولد آخر، أو خط نقل إضافي، أو ترتيب إمداد طارئ جديد.

لكن الواقع الحالي في السودان يفرض علينا طرح سؤال أعمق بكثير

كيف يستطيع السودان بناء منظومة طاقة موثوقة، وميسورة التكلفة، ومرنة، ومستدامة، وقادرة على دفع التحول الاقتصادي الوطني؟

هذا سؤال مختلف جذرياً.

فالكهرباء ليست مجرد خدمة تستهلكها الأسر، وإنما هي الأساس الذي تقوم عليه الزراعة الحديثة، والصناعة، والتعدين، والرعاية الصحية، والاتصالات، وإمدادات المياه، والتعليم، وسلاسل التبريد، والخدمات الرقمية.

ويشير التقييم الحديث للبنك الدولي لقطاعي الكهرباء والبترول في السودان إلى حقيقة مهمة؛ فقد أدت الحرب إلى أضرار جسيمة في شبكة النقل، بينما أدى انفصال الخرطوم والجزيرة ــ اللتان كانتا تمثلان قبل الحرب نحو 75% من الطلب على الكهرباء ــ في بعض الفترات إلى وجود قدرات توليد لا يمكن إيصالها بكفاءة إلى المناطق التي تحتاج إليها.

البنك الدولي – تقرير قطاع الكهرباء والبترول في السودان

وهذا يعني أن أزمة الطاقة في السودان ليست مجرد نقص في الميجاواط.

إنها أزمة تشمل

التوليد، والنقل، والتوزيع، والاعتمادية، والمرونة، وكفاءة استخدام الطاقة، والاستثمار، وحوكمة قطاع الطاقة.

ولذلك يجب أن يكون الحل شاملاً بالقدر نفسه.

السؤال الحقيقي ليس: كم ميجاواط يستطيع السودان أن يولد؟

السؤال الحقيقي هو

إلى أي مدى يستطيع السودان تحويل كل ميجاواط من الكهرباء إلى إنتاج زراعي، ونمو صناعي، وتصنيع للمعادن، وبنية تحتية لسلاسل التبريد، وأمن مائي، واتصال رقمي، وفرص عمل لائقة؟

يجب أن تصبح هذه الفكرة أساساً لاستراتيجية وطنية جديدة للطاقة.

ينبغي على السودان أن يتوقف عن النظر إلى الكهرباء باعتبارها قطاعاً منفصلاً من قطاعات البنية التحتية، وأن يبدأ في التعامل مع الطاقة باعتبارها منصة استراتيجية للتنمية الاقتصادية.

لم يعد الهدف:

“المزيد من الكهرباء”.

بل يجب أن يكون

طاقة موثوقة → اقتصاد منتج → نمو صناعي → فرص عمل → ازدهار وطني

1. الأولوية الأولى إعادة تأهيل ما يمتلكه السودان بالفعل

قبل استثمار مليارات الدولارات في قدرات توليد جديدة، يجب على السودان أولاً أن يحدد مقدار القيمة التي يمكن استعادتها من أصوله القائمة.

وهذا يعني إعادة تأهيل منهجية لـ:

محطات الطاقة الكهرومائية.

محطات التوليد الحراري.

المحولات.

خطوط النقل.

محطات التحويل.

شبكات التوزيع.

أنظمة الحماية.

أنظمة التحكم.

مراكز التحكم القومية والإقليمية.

وتوضح أعمال الصيانة الحالية في سد مروي أهمية هذا المبدأ.

فسد مروي ليس مجرد محطة كهرباء أخرى. تبلغ القدرة المركبة لمحطته الكهرومائية 1,250 ميجاواط، وتتكون من عشر وحدات توربين–مولد، قدرة كل منها 125 ميجاواط، إضافة إلى بنية أساسية رئيسية لنقل الكهرباء بجهدي 500 و220 كيلوفولت.

الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي – مشروع سد مروي

ولذلك فإن صيانة سد مروي ليست مجرد عملية صيانة فنية.

إنها استثمار في أمن الطاقة الوطني.

ويجب على السودان إنشاء برنامج وطني يشمل

الصيانة الوقائية.

الصيانة التنبؤية.

مراقبة حالة المعدات.

إدارة قطع الغيار الحرجة.

تقييم حالة المحولات.

تشخيص حالة المولدات والتوربينات.

تحديث أنظمة الحماية الرقمية.

تحديث أنظمة التحكم.

إدارة الأصول.

الصيانة المعتمدة على الموثوقية Reliability-Centred Maintenance.

ويجب أن يكون المبدأ بسيطاً

لا تبنِ نظام طاقة الغد بينما تسمح بتدهور الأصول القيّمة التي تمتلكها اليوم.

2. يجب على السودان تنويع مزيج الطاقة

يجب ألا يعتمد السودان مرة أخرى بشكل مفرط على مصدر واحد للطاقة.

فالبلاد تمتلك قاعدة متنوعة بصورة استثنائية من موارد الطاقة، تشمل

الطاقة الكهرومائية + الطاقة الشمسية + طاقة الرياح + التوليد الحراري + الكتلة الحيوية + إمكانية الربط الكهربائي الإقليمي.

ولذلك لا ينبغي أن يكون مستقبل السودان

الطاقة الكهرومائية أو الطاقة الشمسية أو التوليد الحراري.

بل يجب أن يكون:

الطاقة الكهرومائية + الطاقة الشمسية + طاقة الرياح + التوليد الحراري عالي الكفاءة + تخزين الطاقة.

يمكن لهذا المزيج المتنوع أن يوفر الطاقة والمرونة التشغيلية في آن واحد.

فالطاقة الكهرومائية يمكن أن توفر توليداً قابلاً للتحكم ومرونة للشبكة، بينما تستطيع الطاقة الشمسية الكهروضوئية توفير كميات كبيرة من الكهرباء خلال ساعات النهار. ويمكن لطاقة الرياح أن تكمل الطاقة الشمسية في المواقع المناسبة، في حين يستطيع التوليد الحراري عالي الكفاءة توفير قدرة ثابتة ومرنة عند الحاجة، بينما يمكن لتخزين الطاقة أن يلعب دوراً متزايداً في موازنة التوليد المتغير من مصادر الطاقة المتجددة.

وقد حددت مبادرة Desert to Power التابعة للبنك الأفريقي للتنمية السودان كواحدة من 11 دولة في منطقة الساحل تمتلك إمكانات لتطوير الطاقة الشمسية على نطاق واسع. وتستهدف المبادرة تطوير ما يصل إلى 10 جيجاواط من الطاقة الشمسية في الدول المشاركة، من خلال حلول مرتبطة بالشبكة وأخرى لامركزية.

البنك الأفريقي للتنمية – مبادرة Desert to Power

ولذلك يجب أن ينظر السودان إلى الطاقة المتجددة ليس باعتبارها بديلاً للتوليد التقليدي، وإنما باعتبارها مكوناً أساسياً في مزيج وطني متوازن للطاقة.

3. يجب أن تتحول الطاقة الشمسية إلى بنية تحتية اقتصادية

تُعد الطاقة الشمسية واحدة من أعظم الفرص الاستراتيجية المتاحة للسودان.

لكن يجب ألا تختزل الطاقة الشمسية في

“ألواح شمسية للمنازل”.

فهذا مجرد تطبيق واحد من تطبيقات كثيرة.

يمكن للطاقة الشمسية أن تحدث تحولاً في

الري.

تصنيع الأغذية.

التخزين المبرد.

التبريد والتجميد.

الاتصالات.

ضخ المياه.

الرعاية الصحية الريفية.

الصناعات الصغيرة.

التصنيع الزراعي.

عمليات التعدين.

المدارس والخدمات العامة.

وقد دعم البنك الأفريقي للتنمية في السابق مشروعاً في السودان للري باستخدام الطاقة الشمسية، بهدف استبدال مضخات الديزل بأنظمة الطاقة الشمسية الكهروضوئية. وكان المشروع يتضمن 1,170 نظام ضخ شمسي إلى جانب ورش للصيانة ومرافق للاختبار وبناء القدرات الفنية.

البنك الأفريقي للتنمية – مشروع الري بالطاقة الشمسية في السودان

وهذا يقودنا إلى مبدأ أكبر:

لا ينبغي للطاقة الشمسية أن تستبدل الديزل فقط، بل يجب أن تزيد الإنتاجية.

تخيل منظومة ري تعمل بالطاقة الشمسية خلال ساعات النهار، يليها تصنيع المنتجات الزراعية، والتبريد والتخزين المبرد باستخدام مزيج من كهرباء الشبكة والطاقة الشمسية وتخزين الطاقة.

النتيجة ليست مجرد كهرباء أنظف.

إنها منظومة متكاملة لرفع الإنتاجية الزراعية.

4. بناء منظومة وطنية هجينة للطاقة

إن اتساع السودان الجغرافي يجعل نموذج الكهرباء المركزي الموحد غير كافٍ بصورة متزايدة.

ويحتاج السودان إلى منظومة متعددة المستويات

الشبكة القومية

للمدن الرئيسية والمراكز الصناعية ومصادر التوليد الكبيرة.

الشبكات الإقليمية

لمراكز الطلب المتجمعة جغرافياً.

الشبكات المصغرة Mini-Grids

للمجتمعات الريفية والمناطق الزراعية والمراكز الاقتصادية النائية.

أنظمة الطاقة المستقلة Standalone Systems

للمرافق المعزولة مثل مواقع الاتصالات والعيادات والمدارس والمزارع ومنشآت المياه.

سيسمح هذا النموذج للسودان بتوسيع الوصول إلى الكهرباء دون انتظار ربط كل مجتمع بالشبكة القومية.

ويجب أن تكون منظومة الطاقة الحديثة قادرة على العمل

متصلة بالشبكة

وكذلك

بصورة مستقلة عند الضرورة.

وهذا مهم بصورة خاصة لدولة تعيد بناء نفسها بعد الصراع.

5. إعادة بناء شبكة النقل والتوزيع كأولوية وطنية

التوليد من دون نقل هو طاقة عالقة.

والنقل من دون توزيع مناسب هو طاقة غير قابلة للاستخدام.

والتوزيع من دون موثوقية هو اقتصاد غير موثوق.

ولذلك يحتاج السودان إلى برنامج شامل:

البرنامج الوطني لإعادة بناء شبكة الكهرباء

ويجب أن يشمل

إعادة تأهيل خطوط النقل المتضررة.

إنشاء ممرات جديدة لنقل الكهرباء ذات الجهود العالية.

محطات تحويل حديثة.

استبدال المحولات وإعادة تأهيلها.

تعزيز شبكات التوزيع.

تقليل الفاقد الفني.

تقليل الفاقد غير الفني.

أنظمة حماية حديثة.

أنظمة SCADA.

أنظمة إدارة الطاقة EMS.

أنظمة إدارة التوزيع DMS.

العدادات الذكية.

الكشف الآلي عن الأعطال.

المراقبة عن بُعد.

ويقدم سد مروي مثالاً على حجم البنية التحتية المطلوبة لنقل الكهرباء من مراكز التوليد إلى مراكز الطلب؛ فقد تضمن المشروع نحو 1,700 كيلومتر من خطوط النقل بجهدي 500 و220 كيلوفولت، وسبع محطات تحويل.

الصندوق العربي – مشروع سد مروي والبنية التحتية للنقل

والدرس واضح

يجب التخطيط للتوليد والنقل باعتبارهما منظومة واحدة.

6. الانتقال من إدارة العرض إلى إدارة الطلب

لسنوات طويلة كانت الفلسفة السائدة هي

زيادة الطلب → بناء المزيد من التوليد.

لكن استراتيجية الطاقة الحديثة يجب أن تطرح سؤالاً آخر

هل نستطيع تحقيق الناتج الاقتصادي نفسه باستخدام كمية أقل من الكهرباء؟

لذلك فإن كفاءة استخدام الطاقة ليست برنامجاً بيئياً اختيارياً.

إنها مورد لتوليد الطاقة.

ويجب على السودان إنشاء برنامج وطني لكفاءة الطاقة يشمل

تكييف الهواء.

التبريد والتجميد.

المحركات الصناعية.

المضخات.

الضواغط.

الإضاءة.

المباني.

العمليات الصناعية.

المعدات الزراعية.

أنظمة المياه.

ويجب إيلاء اهتمام خاص لقطاع التبريد.

ففي بلد حار مثل السودان، يمكن أن يصبح تكييف الهواء والتبريد من أكبر مستهلكي الكهرباء.

إن تحسين كفاءة المعدات، والغلاف الحراري للمباني، وأنظمة التحكم، والصيانة، وتصميم الأنظمة، يمكن أن يقلل ذروة الطلب ويؤجل الحاجة إلى استثمارات مكلفة في التوليد وشبكات الكهرباء.

فالطاقة التي نوفرها من خلال رفع الكفاءة هي عملياً

طاقة لم نعد بحاجة إلى توليدها أو نقلها أو توزيعها.

7. يجب أن تصبح الطاقة محركاً للزراعة

لا يستطيع السودان بناء اقتصاد زراعي حديث من دون طاقة موثوقة.

ولنتأمل سلسلة الإنتاج الزراعي بأكملها

المياه → الري → الإنتاج → التصنيع → التبريد → التخزين → النقل → التصدير

كل مرحلة تحتاج إلى الطاقة.

فالري بالطاقة الشمسية يمكن أن يقلل الاعتماد على الديزل.

والمعدات الكهربائية يمكن أن تحسن عمليات التصنيع.

والتبريد يمكن أن يقلل فاقد ما بعد الحصاد.

والتخزين المبرد يمكن أن يطيل العمر التخزيني للمنتجات.

والكهرباء الموثوقة يمكن أن تمكن المزارعين والمصنعين من إدارة أعمال حقيقية بدلاً من مجرد البقاء من موسم إلى آخر.

ولهذا يجب دمج استراتيجية الطاقة مع الاستراتيجية الزراعية.

ويجب أن يكون الهدف:

طاقة من أجل زراعة منتجة، وليس مجرد كهرباء للمجتمعات الريفية.

8. يجب التخطيط للطاقة وسلسلة التبريد معاً

هذه النقطة مهمة بصورة خاصة للسودان.

فالدولة التي تمتلك إمكانات زراعية وحيوانية هائلة لا تستطيع الاستفادة الكاملة منها من دون سلسلة تبريد موثوقة.

وتشمل السلسلة

التبريد الأولي → التخزين المبرد → النقل المبرد → التصنيع → التخزين بالجملة → تجارة التجزئة → التصدير

وأي خلل في إحدى هذه الحلقات يمكن أن يؤدي إلى فقدان القيمة الاقتصادية.

ولذلك تصبح الكهرباء الموثوقة مكوناً أساسياً من مكونات الأمن الغذائي والقدرة التنافسية للصادرات.

كما يمثل هذا المجال فرصة للسودان لبناء قدرات فنية محلية في

التبريد الصناعي.

النقل المبرد.

غرف التبريد.

تصنيع الأغذية.

تكنولوجيا المضخات الحرارية.

أنظمة التكييف والتبريد عالية الكفاءة.

التبريد المدعوم بالطاقة الشمسية.

ولهذا يجب ألا يتم التعامل مع سياسة الطاقة وسياسة التبريد باعتبارهما مجالين منفصلين.

9. إنشاء ممرات الطاقة–الصناعة

يمكن أن يصبح هذا المفهوم واحداً من أكثر المفاهيم تحولاً في عملية إعادة إعمار السودان.

فبدلاً من بناء محطة كهرباء أولاً ثم البحث لاحقاً عن المكان الذي ستستهلك فيه الكهرباء، يجب على السودان أن يخطط لـ

الطاقة + البنية التحتية + الصناعة + الزراعة + الخدمات اللوجستية

باعتبارها نظاماً اقتصادياً واحداً.

ويمكن أن نطلق على هذه المناطق

ممرات الطاقة–الصناعة Energy–Industrial Corridors

على سبيل المثال

الطاقة المتجددة

شبكة نقل ذات جهد عالٍ

منطقة صناعية

التصنيع الزراعي

التخزين المبرد

البنية التحتية للنقل

السوق المحلي + التصدير

هذا النهج يغير دور الكهرباء.

فالكهرباء تصبح مدخلاً صناعياً، وليس مجرد خدمة منزلية.

ويصبح السؤال

ما القيمة الاقتصادية التي يمكن أن ينتجها كل ميجاواط–ساعة؟

وهذا مؤشر تنموي أكثر أهمية بكثير من مجرد حجم القدرة المركبة.

10. جعل القطاع الخاص شريكاً استراتيجياً في الطاقة

لا تستطيع الدولة السودانية وحدها تمويل التحول الكامل في قطاع الطاقة.

ولذلك يجب أن يشجع الإطار الحديث

منتجي الكهرباء المستقلين – IPPs

ويشمل ذلك

مشروعات الطاقة الشمسية المستقلة.

مشروعات الرياح المستقلة.

مشروعات الطاقة المتجددة الهجينة.

مشروعات تخزين الطاقة بالبطاريات.

التوليد الخاص بالمصانع.

الشبكات المصغرة.

وهذا يتطلب تنظيماً شفافاً، وعقوداً قابلة للتمويل، وتعريفات واضحة ويمكن التنبؤ بها، واتفاقيات موثوقة لشراء الطاقة

Power Purchase Agreements – PPAs

وتحدد مبادرة Desert to Power التابعة للبنك الأفريقي للتنمية صراحةً تعزيز الشبكات الوطنية والإقليمية، وحلول الطاقة اللامركزية، وقدرات شركات الكهرباء، والاستثمار في القطاع الخاص باعتبارها مجالات ذات أولوية.

البنك الأفريقي للتنمية – Desert to Power

ويجب على السودان الاستفادة من هذا الزخم الإقليمي والعالمي لجذب الاستثمار، مع حماية المصلحة الوطنية.

11. إنشاء صندوق سوداني لتحول الطاقة

ينبغي للسودان أن يدرس إنشاء

صندوق التحول في الطاقة السوداني – SETF

ويكون هدفه تمويل البنية التحتية الاستراتيجية للطاقة، وليس الإنفاق الحكومي الجاري.

ويمكن أن تأتي موارده من

التمويل التنموي.

التمويل المناخي.

صناديق الاستثمار الأخضر.

المؤسسات المالية الدولية.

استثمارات القطاع الخاص.

الشراكات بين القطاعين العام والخاص.

المؤسسات التنموية الإقليمية.

استثمارات السودانيين في المهجر.

ويجب أن يركز الصندوق على

التوليد + النقل + التوزيع + الطاقة المتجددة + تخزين الطاقة + كفاءة الطاقة + بناء القدرات الفنية.

ويجب أن يكون هدفه التحول الوطني طويل الأجل، وليس إدارة الأزمات قصيرة الأجل.

12. إعداد خطة السودان المتكاملة للطاقة حتى عام 2040

يحتاج السودان إلى خارطة طريق وطنية واحدة للطاقة.

وليس مشروعات منفصلة.

وليس برامج مانحين غير مترابطة.

وليس حلولاً طارئة تتحول إلى حلول دائمة.

يجب أن تدمج

الخطة السودانية المتكاملة للطاقة 2040

الكهرباء، والوقود، والطاقة المتجددة، والطلب الصناعي، والزراعة، والنقل، والمياه، والمرونة المناخية، والتجارة الإقليمية للكهرباء.

وأقترح ثلاث مراحل رئيسية ;

المرحلة الأولى – 2026–2030

الاستقرار والتعافي

إعادة التأهيل وإعادة الربط

إعادة الأصول المتضررة للتوليد إلى الخدمة.

إصلاح البنية التحتية للنقل.

إعادة تأهيل محطات التحويل.

استعادة شبكات التوزيع الحيوية.

حماية منشآت الطاقة الاستراتيجية.

نشر أنظمة الطاقة المتجددة السريعة التنفيذ.

التوسع في الشبكات الشمسية المصغرة.

إعادة بناء المؤسسات الفنية.

إنشاء مخزون استراتيجي من قطع الغيار الحرجة.

المرحلة الثانية – 2030–2035

التحول

التنويع والتحديث

مشروعات الطاقة الشمسية واسعة النطاق.

تطوير طاقة الرياح حيث تكون مجدية اقتصادياً.

تخزين الطاقة بالبطاريات.

تقنيات الشبكات الذكية.

مراكز تحكم حديثة.

ممرات الطاقة–الصناعة.

برامج كفاءة الطاقة.

توسيع مشاركة القطاع الخاص.

المرحلة الثالثة – 2035–2040

التصنيع القائم على الطاقة

إنتاج أكثر مما يستهلكه السودان.

يجب ألا يكون الهدف مجرد الوصول إلى الكهرباء.

بل يجب أن يكون:

فائض طاقة موثوق يدعم التصنيع، والتصنيع الزراعي، وإضافة القيمة للمعادن، والإنتاج الموجه للتصدير.

13. بناء المرونة في كل مشروع طاقة جديد

لقد أثبتت التجربة السودانية الأخيرة أن البنية التحتية الحيوية يجب ألا تُصمم للعمل في الظروف الطبيعية فقط، وإنما أيضاً للعمل في ظروف الاضطراب الشديد.

ولذلك يجب أن تتضمن منظومة الكهرباء المستقبلية:

التكرارية والبدائل – Redundancy

اللامركزية – Decentralisation

التوليد الموزع – Distributed Generation

تخزين الطاقة – Energy Storage

إمكانية التشغيل المنعزل – Islanded Operation

الأمن المادي – Physical Security

الأمن السيبراني – Cybersecurity

القدرة على استعادة الخدمة في حالات الطوارئ – Emergency Restoration Capability

الشبكة المرنة ليست بالضرورة شبكة ضخمة واحدة.

بل هي شبكة قادرة على تحمل الأعطال، وعزل الأجزاء المتضررة، والاستمرار في تغذية الأحمال الحرجة، واستعادة الخدمة بسرعة.

ويجب أن تمتلك المستشفيات، وأنظمة المياه، والاتصالات، والمطارات، ومنشآت تخزين الأغذية، وخدمات الطوارئ، أنظمة طاقة احتياطية وموزعة مصممة بصورة مناسبة.

14. إعادة بناء أهم أصل في قطاع الطاقة رأس المال البشري السوداني

يمكن شراء المعدات.

ويمكن استيراد التكنولوجيا.

لكن لا بد من بناء القدرات الفنية الوطنية.

يحتاج السودان إلى جيل جديد من

المهندسين الكهربائيين.

المهندسين الميكانيكيين.

مهندسي الطاقة.

متخصصي الطاقة المتجددة.

مهندسي الحماية.

مهندسي التحكم.

متخصصي SCADA.

مخططي أنظمة القدرة الكهربائية.

فنيي التبريد والتكييف.

الفنيين الصناعيين.

متخصصي الصيانة.

متخصصي الصحة والسلامة والبيئة HSE.

ولذلك يجب أن تصبح الكليات التقنية والجامعات جزءاً لا يتجزأ من الاستراتيجية الوطنية للطاقة.

ويجب على الدولة إنشاء برامج متكاملة تشمل:

التدريب → الاعتماد والشهادات → التلمذة الصناعية → التطوير المهني المستمر → تقييم الكفاءة

فإعادة الإعمار من دون بناء رأس المال البشري ستؤدي ببساطة إلى استمرار الاعتماد على المقاولين والخبرات الأجنبية.

15. الهدف ليس مجرد كهرباء على مدار 24 ساعة

إن توفير الكهرباء على مدار 24 ساعة يومياً هدف أساسي.

لكنه ليس الوجهة النهائية.

يجب أن يكون الهدف النهائي

طاقة موثوقة + ميسورة التكلفة + مستدامة + منتجة

يجب أن تكون الكهرباء في متناول الأسرة من الناحية الاقتصادية.

ويجب أن يستطيع المزارع استخدامها بصورة مربحة.

ويجب أن يتمكن المصنع من المنافسة بها في الأسواق الدولية.

ويجب أن يستطيع المستشفى الاعتماد عليها.

ويجب أن يستطيع مشغل سلسلة التبريد حفظ المنتجات الغذائية بواسطتها.

ويجب أن تتمكن عمليات التعدين من إضافة قيمة محلية بفضل توفرها.

وهنا تكمن القيمة الاقتصادية الحقيقية لمنظومة الطاقة.

16. يستطيع السودان الانتقال من ندرة الطاقة إلى فرصة الطاقة

يمتلك السودان عدداً من المزايا الاستراتيجية

مساحة جغرافية شاسعة.

موارد شمسية كبيرة.

موارد كهرومائية.

إمكانات رياح في مناطق مناسبة.

أراضٍ زراعية.

ثروة حيوانية.

موارد معدنية.

موقع على البحر الأحمر.

مجتمع مهني سوداني كبير وذو قدرات فنية.

ولذلك فإن الفرصة أكبر بكثير من مجرد إنتاج الكهرباء.

فالسودان يستطيع استخدام الطاقة الموثوقة والميسورة التكلفة لإنتاج:

الغذاء.

المنتجات الزراعية المصنعة.

المنتجات المعدنية.

السلع المصنعة.

خدمات سلاسل التبريد.

الخدمات الرقمية.

المياه.

فرص العمل.

وهنا تكمن النقطة الجوهرية

لا يحتاج السودان إلى تصدير الطاقة وحدها، بل يحتاج إلى تصدير القيمة الاقتصادية التي تخلقها الطاقة.

الخيار الاستراتيجي أمام السودان

يقف السودان اليوم عند مفترق طرق تاريخي.

يمكننا أن نستمر في إدارة أزمة الكهرباء بالطريقة التقليدية:

انقطاع → إصلاح طارئ → توليد مؤقت → عطل آخر → إصلاح آخر.

أو يمكننا أن نستغل مرحلة إعادة الإعمار لإعادة تصميم منظومة الطاقة الوطنية بالكامل.

والخيار يجب أن يكون واضحاً.

يحتاج السودان إلى الانتقال:

من التوليد المنفرد إلى منظومة طاقة متكاملة.

من المركزية إلى المرونة.

من الاعتماد على الديزل إلى مزيج متنوع من الطاقة.

من استهلاك الطاقة إلى إنتاجية الطاقة.

من استيراد التكنولوجيا إلى بناء القدرات الفنية.

من مشروعات الكهرباء المنفصلة إلى ممرات الطاقة–الصناعة.

من الكهرباء باعتبارها إنفاقاً عاماً إلى الكهرباء باعتبارها محركاً للنمو الاقتصادي.

الخاتمة السودان لا يحتاج إلى محطة كهرباء أخرى فقط

أزمة الطاقة في السودان ليست قدراً وطنياً محتوماً.

ولا يمكن حلها بمحطة كهرباء واحدة، أو خط نقل واحد، أو برنامج طوارئ واحد.

إن الحل الحقيقي هو مشروع وطني للتحول في قطاع الطاقة يقوم على خمسة مبادئ أساسية:

1. إعادة التأهيل – Rehabilitate

استعادة وتعظيم قيمة الأصول القائمة.

2. التوسع – Expand

بناء البنية التحتية للتوليد والنقل والتوزيع التي يحتاجها اقتصاد المستقبل.

3. التنويع – Diversify

الجمع بين الطاقة الكهرومائية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح والتوليد الحراري عالي الكفاءة وتخزين الطاقة.

4. تحسين الكفاءة – Improve Efficiency

اعتبار كفاءة الطاقة شكلاً من أشكال التوليد الافتراضي.

5. التصنيع – Industrialise

استخدام الطاقة الموثوقة لتحويل الزراعة والتعدين والصناعة والمياه والتبريد والخدمات.

ويقدم برنامج ASCENT-Sudan التابع للبنك الدولي مثالاً مهماً على كيفية الربط بين الوصول إلى الطاقة، والطاقة المتجددة، والاتصال الرقمي، والزراعة، ونشاط القطاع الخاص ضمن عملية التعافي في السودان.

وقد تمت الموافقة على البرنامج في عام 2025 بتمويل قدره 76.3 مليون دولار، ويستهدف توسيع الوصول إلى الكهرباء والاتصال الرقمي، مع دعم أنظمة الطاقة المتجددة والمزارعين والشركات الصغيرة والشركات المحلية العاملة في مجال الطاقة الشمسية.

البنك الدولي – مشروع ASCENT-Sudan للطاقة والاتصال الرقمي

لكن السودان يحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك.

إنه يحتاج إلى رؤية وطنية شاملة خاصة به.

لا ينبغي أن نكتفي بإعادة منظومة الكهرباء التي كانت موجودة قبل الحرب.

يجب أن نبني منظومة أفضل.

منظومة

أكثر تنوعاً.

أكثر لامركزية.

أعلى كفاءة.

أكثر مرونة.

أكثر ذكاءً.

وفوق كل ذلك—

أكثر إنتاجية.

فالهدف النهائي لا ينبغي أن يكون إعادة السودان إلى منظومة الطاقة التي كانت قائمة بالأمس.

بل يجب أن يكون

بناء الأساس الطاقي لسودان الغد.

السودان لا يحتاج ببساطة إلى المزيد من الكهرباء.

السودان يحتاج إلى إعادة بناء اقتصاده حول طاقة موثوقة، وميسورة التكلفة، ومستدامة، ومنتجة.

هذه ليست مجرد سياسة للطاقة.

إنها استراتيجية وطنية للتنمية.

المراجع الأساسية

البنك الدولي – تقرير تحديث قطاعي الكهرباء والبترول في السودان

البنك الدولي – ASCENT-Sudan الطاقة والاتصال الرقمي

البنك الأفريقي للتنمية – مبادرة Desert to Power

البنك الأفريقي للتنمية – مبادرة Desert to Power والدول الـ11 وهدف 10 جيجاواط من الطاقة الشمسية

البنك الأفريقي للتنمية – مشروع الري بالطاقة الشمسية في السودان

الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي – مشروع سد مروي

دراسة Wiley – الطاقة المتجددة في السودان الوضع الحالي والآفاق المستقبلية