رأي

السلم الاجتماعي… رهان المرحلة

كتبت/ حفيه الياس
ليس من السهل أن تتعافى المجتمعات التي عانت ويلات الحرب، فإعادة إعمار المباني قد تستغرق سنوات، لكن إعادة بناء الثقة بين الناس تحتاج إلى إرادة وصبر وعمل متواصل. لذلك، فإن الحديث عن السلم الاجتماعي اليوم لم يعد ترفاً فكرياً، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها المرحلة.
وفي هذا الإطار، جاء مهرجان السلم الاجتماعي الذي نظمه المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي برعاية مجلس الوزراء، ليؤكد أن الدولة تنظر إلى السلم المجتمعي باعتباره أحد أهم مرتكزات مرحلة التعافي وإعادة البناء. فالمهرجان لم يكن مجرد مناسبة احتفالية، بل رسالة وطنية تدعو إلى ترسيخ قيم الحوار والتسامح والتعايش السلمي وقبول الآخر، باعتبارها الأساس الذي يقوم عليه مجتمع آمن ومستقر.
ويضطلع المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي بدور محوري في هذه المرحلة، من خلال قيادة المبادرات الرامية إلى رأب الصدع الاجتماعي، ونبذ خطاب الكراهية والعنصرية، وتعزيز ثقافة الحوار واحترام التنوع، وترسيخ قيم المواطنة التي تجمع السودانيين على اختلاف انتماءاتهم. كما يعمل على دعم المصالحات المجتمعية وبناء الثقة بين مكونات المجتمع، بما يسهم في استعادة النسيج الاجتماعي الذي تأثر بالحرب.

لقد أثبتت التجارب أن السلام الحقيقي لا تصنعه الاتفاقيات وحدها، وإنما تصنعه المجتمعات عندما تؤمن بالحوار، وتقبل الاختلاف، وتنبذ الكراهية والإقصاء. فكل مبادرة تجمع السودانيين على اختلاف مكوناتهم، وتعيد الاعتبار لقيم التسامح والاحترام المتبادل، تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح.
كما أن إشراك الشباب والمرأة والإدارات الأهلية ومؤسسات المجتمع في مثل هذه المبادرات يعكس فهماً بأن مسؤولية بناء السلام ليست حكراً على الدولة، وإنما هي مشروع يشارك فيه الجميع، لأن الجميع معنيون بحماية النسيج الاجتماعي واستعادة روح التعايش التي عُرف بها السودان.
ويبقى التحدي الحقيقي هو أن تتحول رسائل المهرجانات إلى برامج مستدامة تمتد إلى المدارس والجامعات ووسائل الإعلام ومؤسسات الدولة، حتى تصبح ثقافة السلام ممارسة يومية لا شعاراً موسمياً. فترسيخ قيم التسامح وقبول الآخر هو الضمان الحقيقي لمنع تجدد النزاعات، وتهيئة البيئة المناسبة للتنمية والاستقرار.

إن السودان اليوم بحاجة إلى خطاب يوحد ولا يفرق، ويبني الجسور بين أبنائه، ويعزز الانتماء الوطني فوق كل الاعتبارات. ومن هنا تبرز أهمية الدور الذي يضطلع به المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي في قيادة هذا المشروع الوطني، لأن السلم الاجتماعي ليس مجرد عنوان لفعالية، بل هو حجر الأساس لسودان يتطلع إلى مستقبل أكثر أمناً واستقراراً ووحدة.