رأي

من ضفاف النيل تبدأ الحكاية.. حين يتحول الجمال الطبيعي إلى ثروة وطنية

كتبت / حفيه الياس
ليس هناك ما هو أجمل من أن تستعيد الخرطوم روحها، وأن تعود ضفاف النيل لتكون مساحة للفرح والحياة والذكريات. فالنيل الذي وهب الله به السودان نعمة عظيمة لم يكن يوماً مجرد مجرى للمياه، بل هو شريان حضارة، ومصدر إلهام، وواجهة تحمل تاريخ العاصمة وملامحها.

تأتي جولة والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة بشارع النيل في توقيت مهم، مع بدء مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، لتؤكد أن العاصمة لا تحتاج فقط إلى إعادة بناء المباني والمنشآت، بل تحتاج أيضاً إلى استعادة وجهها الحضاري والجمالي الذي ظل مرتبطاً في وجدان السودانيين بضفاف النيل ومتنفساتها.

إن تحويل شارع النيل إلى وجهة سياحية عالمية ليس حلماً بعيد المنال، فالسودان يمتلك مقومات سياحية هائلة؛ من الأراضي الزراعية الخصبة، والثروة الحيوانية الغنية، والموارد المعدنية المتنوعة، إلى جانب موقع جغرافي مميز ونهر عظيم يمكن أن يصبح محوراً للسياحة والترفيه والاستثمار.

لقد عانى السودانيون كثيراً خلال الفترة الماضية، وهم اليوم في حاجة إلى مساحات تعيد لهم الأمل والفرح، وأماكن تجمع الأسر والشباب والزوار في بيئة آمنة وجميلة.

لكن الجمال الطبيعي وحده لا يكفي، فالوجهات السياحية الناجحة تحتاج إلى تخطيط حضري، وخدمات متكاملة، وبيئة نظيفة، واستثمارات مسؤولة تحافظ على هوية المكان. لذلك فإن إزالة التشوهات والتعديات وتنظيم الأنشطة على شارع النيل تمثل خطوة ضرورية لإعادة تقديم هذه الواجهة بالصورة التي تليق بالخرطوم وأهلها.

شارع النيل يمكن أن يكون أكثر من مجرد طريق؛ يمكن أن يصبح مساحة للفعاليات الثقافية، والمطاعم والمقاهي الراقية، والأنشطة الأسرية، ومقصداً للزوار من داخل السودان وخارجه، بما يخلق فرص عمل ويدعم الاقتصاد المحلي.

لقد آن الأوان للنظر إلى السياحة باعتبارها قطاعاً اقتصادياً مهماً وليس ترفاً، فالدول التي نجحت في استثمار معالمها الطبيعية والتاريخية جعلت منها مصادر للدخل والتنمية. والسودان بما يملكه من تنوع طبيعي وثقافي قادر على أن يضع نفسه على خارطة السياحة الإقليمية والعالمية.

إن إعادة تأهيل شارع النيل ليست مجرد مشروع تجميلي، بل هي رسالة بأن الخرطوم تستعيد عافيتها، وأن المستقبل يمكن أن يُبنى من ضفاف النيل، حيث يلتقي التاريخ بالجمال، والطبيعة بالطموح.

فلنجعل من النيل أكثر من واجهة، ولنجعل منه جسراً نحو مستقبل أفضل، ومعلماً يحكي للعالم قصة السودان؛ بلد الحضارة، والموارد، والإنسان الذي يستحق أن يرى وطنه في أجمل صورة.
فالخرطوم لا تحتاج فقط إلى أن تُبنى من جديد، بل تحتاج إلى أن تستعيد جمالها وروحها… ومن ضفاف النيل تبدأ الحكاية.