رأي

من الدمار إلى الرقمنة.. الطريق يبدأ من المرور

كتبت / حفيه الياس

حين تُذكر الحرب، تتجه الأذهان تلقائياً إلى المباني المهدمة، والطرق المتضررة، والخسائر البشرية والمادية. لكن ثمة خسائر أخرى لا تقل خطورة، وهي انهيار المؤسسات وفقدان قواعد البيانات وتعطل الخدمات التي يعتمد عليها المواطن في حياته اليومية. لذلك، فإن النجاح الحقيقي بعد أي حرب لا يقاس فقط بإزالة الأنقاض، وإنما بقدرة مؤسسات الدولة على استعادة وظائفها، واسترجاع ثقة المواطنين فيها.

من هذا المنطلق، جاء ما أعلنته الإدارة العامة للمرور في منبر الشرطة الدوري الأخير، ليحمل دلالات تتجاوز حدود العمل المروري. فالحديث عن استعادة قاعدة بيانات تضم أكثر من مليوني مركبة، وإنشاء مراكز بيانات احتياطية داخل السودان وخارجه، ليس مجرد إنجاز تقني، بل هو استعادة لذاكرة الدولة وحماية لحقوق المواطنين وممتلكاتهم. ففي عصر الرقمنة، أصبحت البيانات ثروة وطنية لا تقل أهمية عن المباني والمعدات.

اللافت أيضاً أن الإدارة لم تجعل من الحرب شماعة لتعليق الإخفاقات، بل تعاملت معها باعتبارها نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة. فبدلاً من الاكتفاء بإعادة ما كان قائماً، اختارت أن تؤسس لمنظومة أكثر تطوراً، تعتمد على التحول الرقمي، والخدمات الإلكترونية، والربط الشبكي، والتقنيات الحديثة في الرقابة وإدارة الحركة المرورية.

ومن يقرأ خطة المرور للعام 2026 يدرك أن الإدارة لا تفكر بعقلية “إدارة الأزمة”، وإنما بعقلية “صناعة المستقبل”. فالتوسع في منصة “سالم”، وربط البصات السفرية بأنظمة التتبع الجغرافي، والتوجه نحو استخدام الرادارات والبوابات الإلكترونية والطائرات المسيّرة، كلها مؤشرات على انتقال حقيقي نحو مفهوم المرور الذكي، وهو مفهوم لم يعد ترفاً، بل أصبح ضرورة تفرضها متطلبات السلامة والتنمية.

لكن في المقابل، فإن نجاح هذه الرؤية لن يتحقق بالتكنولوجيا وحدها. فالطرق المؤهلة، والإشارات الحديثة، والمركبات المطابقة للمواصفات، والسائق الواعي، ورجل المرور المؤهل، كلها حلقات في منظومة واحدة. وأي خلل في إحدى هذه الحلقات سيؤثر على المنظومة بأكملها.

ومن النقاط التي تستحق التوقف عندها أيضاً، الاستثمار في العنصر البشري. فتنفيذ أكثر من 150 دورة تدريبية بعد الحرب يعكس إدراكاً بأن الأجهزة الحديثة لا تحقق أهدافها ما لم تجد كوادر تمتلك المعرفة والكفاءة والانضباط. فالإنسان يظل هو أساس كل عملية تطوير، مهما بلغت درجة التقدم التقني.

كما أن استعادة العمل بمراكز الترخيص، وصيانة الإشارات الضوئية، وضبط المركبات المسروقة، ومكافحة تزوير المستندات، كلها خطوات تؤكد أن المرور لا يؤدي دوراً خدمياً فحسب، بل يساهم بصورة مباشرة في تعزيز الأمن، وترسيخ سيادة القانون، وحماية الاقتصاد الوطني.

ويبقى التحدي الأكبر هو استدامة هذا الإنجاز. فالتحول الرقمي ليس مشروعاً ينتهي بإطلاق منصة أو استعادة قاعدة بيانات، بل هو عملية مستمرة تتطلب تحديثاً دائماً للأنظمة، وتأميناً للمعلومات، وتطويراً للبنية التحتية، واستثماراً متواصلاً في الكوادر البشرية، حتى تظل الخدمات قادرة على مواكبة تطلعات المواطنين.

إن تجربة الإدارة العامة للمرور تقدم اليوم درساً مهماً في أن المؤسسات القوية لا تُقاس بما تتعرض له من أزمات، وإنما بكيفية استجابتها لها. وما بين ركام الحرب وآفاق التحول الرقمي، تبدو الإدارة وكأنها ترسم طريقاً جديداً، لا يقتصر على تنظيم حركة المركبات، بل يمتد ليؤكد أن السودان، مهما اشتدت عليه المحن، يملك من الإرادة والكفاءات ما يمكنه من إعادة بناء مؤسساته على أسس أكثر قوة وحداثة.

ولعل الرسالة الأهم التي خرج بها هذا المنبر هي أن إعادة الإعمار ليست مسؤولية الحكومة وحدها، بل هي مشروع وطني تشارك فيه كل المؤسسات والمواطنين. وإذا نجحت الإدارة العامة للمرور في تحويل آثار الحرب إلى فرصة للتحديث والتطوير، فإن بقية مؤسسات الدولة قادرة هي الأخرى على أن تجعل من التعافي بدايةً لنهضة شاملة، لا مجرد عودة إلى ما كان قبل الحرب.