حين يصبح اللقاح عنواناً للتعافي.. هل ينجح السودان في حماية أطفاله؟

كتبت / حفيه الياس
في بلد أنهكته الحرب، لا تبدو معركة التحصين أقل أهمية من أي معركة أخرى؛ فهي معركة صامتة تدور بعيداً عن أصوات المدافع، لكنها تحدد مستقبل جيل كامل. فبينما تتجه الأنظار إلى إعادة إعمار المدن والمرافق، تظل حماية الأطفال من الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات واحدة من أهم علامات التعافي الحقيقي.
إطلاق الاستراتيجية القومية للتحصين في السودان للفترة 2026–2030 اليوم بالخرطوم بحضور قادة الحقل الصحي والشركاء المحليين والدوليين ، يأتي في توقيت بالغ الحساسية، حاملاً معه رؤية لإعادة بناء برنامج التحصين واستعادة ما فقده خلال سنوات الحرب، لكنه في الوقت ذاته يكشف حجم التحديات التي تنتظر التنفيذ، وعلى رأسها فجوة تمويلية تبلغ 305 ملايين دولار من أصل تكلفة كلية تصل إلى 765 مليون دولار.
الأرقام وحدها كافية لتوضح أن القضية أكبر من توفير لقاحات على الرفوف؛ فهناك منظومة كاملة تحتاج إلى الدعم، تبدأ من شراء اللقاحات وتأمين الإمدادات، ولا تنتهي عند وصول العامل الصحي إلى طفل في منطقة نائية أو مجتمع متأثر بالنزوح.
خلال الحرب، لم تكن الخسائر في المباني والمرافق فقط، بل امتدت إلى الخدمات الأساسية التي تحمي حياة الناس. وتعطل بعض المراكز الصحية، وصعوبة الوصول إلى عدد من المناطق، وتراجع قدرة الأسر على الحصول على الخدمات، كلها عوامل خلقت جيلاً من الأطفال الذين قد يفوتهم حقهم الطبيعي في التطعيم.
هنا تظهر أهمية مفهوم “أطفال صفر جرعة”، وهم الأطفال الذين لم يحصلوا على أي جرعة من اللقاحات، إلى جانب الأطفال ناقصي التطعيم. هؤلاء يمثلون التحدي الأكبر أمام أي خطة صحية مقبلة، لأن الوصول إليهم يتطلب أكثر من حملات مؤقتة؛ يحتاج إلى نظام صحي مرن وقريب من المجتمع.
ورغم حجم الأزمة، فإن السودان لا يبدأ من الصفر. فالبرنامج القومي للتحصين يمتلك خبرات تراكمية طويلة، واستطاع عبر سنوات أن يكون أحد البرامج الصحية المهمة في البلاد، بفضل جهود الكوادر الوطنية ودعم الشركاء الدوليين. وهذه الخبرة تمثل نقطة قوة يمكن البناء عليها في مرحلة التعافي.
لكن المرحلة القادمة تتطلب تغييراً في طريقة التفكير؛ فالتحصين لم يعد مجرد خدمة تقدم للطفل في عمر محدد، بل أصبح جزءاً من مفهوم أوسع هو “التحصين مدى الحياة”، الذي يربط بين صحة الطفل وصحة الأسرة وقوة النظام الصحي بأكمله.
ويبقى السؤال الأهم: هل تتحول هذه الاستراتيجية إلى واقع أم تبقى وثيقة جديدة على رفوف المؤسسات؟
الإجابة ستحددها القدرة على توفير التمويل، وتحويل الشراكات الدولية إلى دعم مستدام، وتعزيز دور المجتمعات المحلية، والاستفادة من التكنولوجيا والبيانات للوصول إلى كل طفل يحتاج إلى الحماية.
فالأمم لا تقاس فقط بما تبنيه من طرق ومبانٍ، بل بما تفعله لحماية أجيالها القادمة. وفي السودان، فإن كل جرعة لقاح تصل إلى طفل هي رسالة بأن الحياة تستعيد مكانها، وأن التعافي يبدأ من الإنسان قبل المكان.
لذلك فإن تمويل التحصين ليس دعماً لقطاع صحي فقط، بل هو استثمار في مستقبل السودان، وفي جيل يستحق أن ينشأ بعيداً عن أمراض كان بالإمكان منعها.