رأي

الرعاية الاجتماعية… حين يكون الإنسان أولًا

الرعاية الاجتماعية… حين يكون الإنسان أولًا

كتبت / حفيه الياس
في الدول التي تُبنى على أسس راسخة، لا تُقاس قوة الحكومات بعدد الطرق والجسور التي تنشئها، ولا بحجم المشروعات العمرانية التي تفتتحها، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان عندما يصبح ضعيفًا، وحين يفقد السند، أو يكبر به العمر، أو يجد نفسه خارج مظلة الأسرة والمجتمع. فالرعاية الاجتماعية ليست بابًا من أبواب الإحسان، بل هي أحد أهم معايير العدالة، وعنوانٌ لمدى احترام الدولة لكرامة مواطنيها.

ومن هذا المنطلق، جاءت ورشة تطوير دور الإيواء وأنظمة الرعاية الاجتماعية التي نظمتها وزارة التنميه الإجتماعية بالتنسيق مع المجلس الأعلى للأستراتيجية والمعلومات بولاية الخرطوم اليوم في توقيت بالغ الأهمية، بعد سنوات عصيبة فرضتها الحرب وما خلفته من تحديات اجتماعية وإنسانية غير مسبوقة. فقد أفرزت الأزمة واقعًا جديدًا، ارتفعت فيه معدلات الحاجة إلى الحماية الاجتماعية، وبرزت فئات أصبحت أكثر عرضة للهشاشة، من الأطفال فاقدي الرعاية الوالدية، إلى كبار السن الذين فقدوا أسرهم أو مصادر إعالتهم، مرورًا بالأطفال الذين دفعتهم الظروف إلى الشارع.

ما يميز هذه الورشة أنها لم تتعامل مع دور الإيواء باعتبارها أماكن للإقامة فحسب، وإنما باعتبارها مؤسسات يجب أن تؤدي رسالة متكاملة في الحماية والتأهيل والتمكين. فالإيواء لا يعني مجرد توفير سرير أو وجبة غذاء، وإنما يعني صناعة إنسان قادر على استعادة ثقته بنفسه، والعودة إلى المجتمع وهو يمتلك التعليم، والمهارة، والدعم النفسي، والإحساس بالانتماء.

لقد أصاب والي الخرطوم عندما أكد أن مسؤولية رعاية الشرائح الضعيفة تقع على عاتق الدولة، وأن هذه المسؤولية تحتاج إلى تشريعات وسياسات واضحة تنظم عمل دور الإيواء وتضمن استدامتها. فالتجارب أثبتت أن العمل الاجتماعي لا يمكن أن يدار بردود الأفعال أو بالمبادرات المؤقتة، بل يحتاج إلى قوانين حديثة، وإدارة احترافية، وتمويل مستقر، وآليات رقابة وتقييم تضمن جودة الخدمات المقدمة.

كما أن حديث وزارة التنمية الاجتماعية عن الشراكة بين الدولة والمجتمع يمثل مدخلًا مهمًا، لأن الرعاية الاجتماعية مسؤولية جماعية. فالحكومة تضع السياسات وتوفر الإطار القانوني، لكن المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والمنظمات الإنسانية، والإعلام، والمؤسسات الأكاديمية، جميعها شركاء في بناء منظومة حماية اجتماعية متماسكة. فلا يمكن لأي جهة، مهما بلغت إمكاناتها، أن تواجه وحدها تعقيدات الواقع الاجتماعي الذي أفرزته الحرب.

ومن القضايا اللافتة التي طرحتها الورشة التركيز على بناء قاعدة بيانات موحدة للفئات المستهدفة. فنجاح أي سياسة اجتماعية يبدأ من معرفة دقيقة بمن يحتاج إلى الخدمة، وأين يوجد، وما نوع احتياجاته. فالقرار السليم لا يُبنى على التخمين، وإنما على المعلومات، والبيانات أصبحت اليوم أهم أدوات التخطيط وصنع السياسات العامة.

وربما يكون التحدي الأكبر الذي يواجه المؤسسات الاجتماعية هو تغيير النظرة التقليدية لدور الإيواء. فهذه المؤسسات يجب ألا تتحول إلى محطات إقامة دائمة، بل إلى مراكز لإعادة البناء الإنساني. الطفل الذي يدخل الدار ينبغي أن يغادرها وقد امتلك فرصة للتعليم، والشاب يجب أن يغادرها وهو يحمل مهنة تفتح له أبواب الحياة، وكبير السن يستحق أن يجد فيها الرعاية والاحترام والشعور بأنه ما زال جزءًا أصيلًا من المجتمع، لا عبئًا عليه.

إن الحرب تركت آثارًا عميقة لن تُمحى بمجرد توقف أصوات السلاح، بل تحتاج إلى سنوات من العمل الاجتماعي والنفسي والتربوي لإعادة ترميم الإنسان قبل ترميم المباني. ولذلك فإن الاستثمار في الرعاية الاجتماعية اليوم هو استثمار في الأمن والاستقرار والتنمية غدًا. فكل طفل تتم حمايته من التشرد هو مشروع مواطن صالح، وكل شاب يُؤهل للعمل هو إضافة للاقتصاد، وكل مسن يجد الرعاية يحافظ المجتمع من خلاله على قيم الوفاء والتكافل.

ويبقى السؤال الأهم بعد إسدال الستار على الورشة: هل ستتحول التوصيات إلى برامج عمل؟ فالسودان لا يحتاج إلى المزيد من الوثائق بقدر ما يحتاج إلى إرادة تنفيذ، وإلى مؤسسات قادرة على تحويل الأفكار إلى واقع يلمسه المواطن. فالتوصية التي تبقى حبيسة الأدراج لا تغير حياة أحد، أما القرار الذي يجد طريقه إلى التطبيق فهو الذي يصنع الفارق.
إن بناء مجتمع متماسك يبدأ من حماية أضعف حلقاته. وهذه ليست مسؤولية وزارة بعينها، ولا ولاية وحدها، وإنما مشروع وطني تتشارك فيه كل مؤسسات الدولة والمجتمع.

فحين نمنح الطفل الأمان، ونصون كرامة المسن، ونفتح أبواب الأمل أمام فاقدي الرعاية، فإننا لا نقدم خدمة لفئة محددة، بل نؤسس لوطن أكثر عدلًا، وأكثر إنسانية، وأكثر قدرة على النهوض.فالإنسان، في نهاية المطاف، هو البداية… وهو الغاية.