نحو التعافي… حين تتحرك العربة قبل الشعارات

كتبت /حفيه الياس
في بلدٍ أنهكته الأزمات، لا تبدو الأخبار الكبيرة في عددها بقدر ما تبدو في توقيتها ومعناها. أن تُدشّن وزارة الصحة الاتحادية، اليوم، منحةً مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية ، بحضور وزير الصحه الاتحادي ، بروفسور هيثم محمد ابراهيم ، ووكيل وزارة الصحه الاتحاديه، ووزير الماليه الاتحادي ، ووزير ديوان الحكم الاتحادي ، الي حانب ممثلين لوزارات الصحه بالولايات ، شملت المنحه (55) سيارة إسعاف، و(10) سيارات للصرف الصحي، إلى جانب أجهزة ومعدات طبية لأقسام الطوارئ والعناية المكثفة والمعامل والعمليات، فذلك ليس مجرد حدث بروتوكولي يُضاف إلى أجندة المناسبات، بل خطوة عملية في طريق طويل اسمه “إعادة بناء الثقة” قبل إعادة بناء المؤسسات.
القطاع الصحي في السودان لم يتعرض فقط لضغط الموارد، بل لاختبار قاسٍ في قدرته على الصمود والاستمرار. المستشفيات التي ظلت تعمل في ظروف معقدة، والكوادر التي واصلت الليل بالنهار، لم تكن تحتاج إلى كلمات إشادة بقدر حاجتها إلى أدوات تُعينها على أداء رسالتها. وهنا تحديداً تكتسب هذه المنحة قيمتها الحقيقية: فهي لا تتحدث عن الوعود، بل عن الإمكانيات.
سيارات الإسعاف، في سياقنا، ليست مجرد وسائل نقل، بل خطوط حياة تربط بين لحظة الخطر وفرصة النجاة. كل دقيقة تختصرها هذه العربات قد تعني إنقاذ روح. أما سيارات الصرف الصحي، فهي تذكير بأن الصحة لا تبدأ من داخل المستشفى فقط، بل من البيئة المحيطة به. ثم تأتي الأجهزة والمعدات لتعيد الحيوية إلى أقسام ظلّت تعمل أحياناً بأقل مما ينبغي، وتحت ضغط يفوق طاقتها.
لكن، وعلى أهمية هذا الدعم، تظل الحقيقة الأهم أن أي منحة، مهما بلغ حجمها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن رؤية مستدامة لإصلاح النظام الصحي. فالتحدي ليس في إدخال الأجهزة، بل في صيانتها، ولا في توفير الإسعاف، بل في ضمان استمراريته، ولا في تجهيز الأقسام، بل في تشغيلها بكفاءة واستقرار.
من هنا، فإن اللحظة تستحق أكثر من احتفال. تستحق أن تُقرأ كفرصة لإعادة ترتيب الأولويات: الاستثمار في الكادر البشري، تعزيز نظم الإدارة، وضمان عدالة توزيع الخدمات. فالتعافي الصحي لا يُقاس بعدد الأجهزة وحدها، بل بقدرة المواطن، في أي مكان، على الوصول إلى خدمة كريمة في الوقت المناسب.
شعار “نحو التعافي الصحي وإعادة الإعمار” لن يتحقق دفعة واحدة، لكنه يبدأ دائماً بخطوة. وربما تكون هذه الخطوة، اليوم، إشارة مهمة إلى أن الطريق – رغم وعورته – لا يزال مفتوحاً.