رأي

عوضية سمك: من الهامش إلى النموذج… لماذا نحتاج إلى إعادة التفكير في التعليم الريادي في السودان؟

بقلم: المهندس عبدالرحمن محمد زين (مجدي)

خبير التبريد الصناعي والمبرّدات الامتصاصية

ناشط في الصحة والسلامة والبيئة

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الاقتصادية وتتزايد فيه التحديات الاجتماعية، لم يعد التعليم التقليدي القائم على الحفظ والتلقين قادرًا على إعداد أجيال تواجه واقعًا معقدًا يتطلب مهارات عملية، وعقلية مرنة، وقدرة على الابتكار. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة التفكير في فلسفة التعليم، لا سيما التعليم الفني والتدريب المهني، بما يتوافق مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.

تمثل تجربة عوضية محمود كوكو، المعروفة على نطاق واسع باسم “عوضية سمك”، نموذجًا حيًا وواقعيًا لما يمكن وصفه بالتعلّم الريادي خارج القاعات الدراسية. فعلى الرغم من أنها لم تتلقَّ تعليمًا نظاميًا بالمعنى التقليدي، إلا أنها خاضت تجربة حياتية ثرية تحولت إلى مدرسة متكاملة في الصمود، والإدارة، وصناعة القيمة.

من البساطة إلى بناء المنظومة

بدأت عوضية سمك رحلتها من الهامش، ببيع الشاي على أطراف سوق الموردة، في بيئة غير مستقرة ومليئة بالمخاطر القانونية والاجتماعية. ومع مرور الوقت، لم تكتفِ بدور البائعة الفردية، بل بنت شبكة علاقات مع الصيادين والنساء العاملات في بيع الأسماك، لتؤسس ما يمكن وصفه بسلسلة توريد محلية قائمة على الثقة والتكامل.

هذا التحول لم يكن عشوائيًا، بل يجسد جوهر التفكير الريادي:

الانتقال من العمل الفردي إلى بناء منظومة متكاملة.

الريادة كأداة للتمكين المجتمعي

ما يميز رحلة عوضية سمك ليس نجاحها الاقتصادي فحسب، بل قدرتها على تحويل هذا النجاح إلى منصة لتمكين الآخرين. فقد دعمت آلاف النساء، ووفرت فرص عمل، وأسهمت في حمايتهن من الاستغلال.

ويتوافق هذا النهج مع رؤية اليونسكو وأهداف الأمم المتحدة، لا سيما الهدف الرابع المتعلق بالتعليم الجيد، والهدف الثامن المتعلق بالعمل اللائق والنمو الاقتصادي.

من مشروع صغير إلى علامة وطنية

تُوِّجت رحلتها بإنشاء مطعم وطني شهير، يوظف مئات العاملين ويخدم شرائح متنوعة من المجتمع. ويمثل هذا التحول الانتقال إلى مرحلة الريادة المؤسسية المستدامة.

القيادة في أوقات الأزمات

على الرغم من الانتكاسات المتكررة — بما في ذلك الإغلاقات والحريق المدمر — استطاعت أن تعيد بناء مشروعها من جديد. وهذا يعكس إحدى أهم المهارات الريادية: المرونة والصمود.

ثلاثة دروس للتعليم الريادي

تحويل التحديات إلى أنظمة عمل منظمة

تقديم النجاح الجماعي على النجاح الفردي

إعادة الاعتبار للعمل اليدوي بوصفه عملاً كريمًا وأساسيًا

الخاتمة

إن قصة عوضية سمك ليست مجرد قصة ملهمة، بل هي إطار عملي متكامل للريادة والمرونة. وهي دعوة إلى بناء نظام تعليمي يُخرّج صانعي الفرص، لا مجرد باحثين عنها.

والله من وراء القصد