حين يصبح الفن سلاحاً ضد الكراهية

كتبت / حفيه الياس
hafielyas@yahoo.com
في زمن الحروب والانقسامات، لا تبدو المعارك دائماً بالسلاح وحده، فثمة معركة أكثر خطورة تدور في العقول والقلوب، عنوانها خطاب الكراهية والعنصرية والتشظي الاجتماعي. ولهذا جاءت دعوة عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر لتعميم تجربة مركز الفضاء العالمي للثقافة والإعلام في كل ولايات السودان، باعتبارها خطوة تتجاوز النشاط الثقافي التقليدي إلى مشروع وطني لإعادة ترميم الوجدان السوداني.
الفعالية التي نظمها مركز الفضاء العالمي للثقافة والإعلام بالشراكة مع وزارة الثقافة والإعلام والسياحة بولاية الخرطوم، لم تكن مجرد أمسية غنائية أو تجمع ثقافي، بل منصة وطنية حملت رسائل عميقة حول أهمية استعادة الوجدان السوداني ومقاومة خطاب الكراهية بالفن والإبداع.
وقد عكس حجم الحضور الرسمي والشعبي أهمية الحدث، بمشاركة عضو مجلس السيادة إبراهيم جابر ووالي الخرطوم أحمد عثمان حمزة وعدد من القيادات التنفيذية والإعلامية والفنية والرياضية، إلى جانب جمهور غفير امتلأت به ساحة اتحاد المهن الموسيقية بأمدرمان، في مشهد أعاد للأذهان صورة السودان الذي يجتمع حول الفن والكلمة الجميلة.
اللافت في هذه المبادرة أنها اختارت الفن بوصفه لغة جامعة، لا تفرق بين قبيلة وأخرى، ولا بين جهة وأخرى. فالأغنية السودانية ظلت عبر عقود تحمل ذاكرة الناس المشتركة، وتختصر مشاعرهم وأحلامهم وآلامهم. وحين تصدح الموسيقى في مواجهة الكراهية، فإنها تذكر الجميع بأن السودان أكبر من أصوات الحرب وأكثر عمقاً من دعوات الفرقة.
المهرجان الذي احتضنته أم درمان لم يكن مجرد فعالية احتفالية، بل رسالة سياسية واجتماعية وثقافية في آنٍ واحد. تأبين رموز بحجم الموسيقار محمد الأمين والفنان محمد ميرغني والفنان سبت عثمان حمل دلالة عميقة؛ فهؤلاء لم يكونوا مجرد فنانين، بل جزءاً من الهوية السودانية الجامعة التي قاومت الانقسام لعقود طويلة.
ما قاله والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة عن معالجة آثار الحرب واستعادة الخدمات يظل مهماً، لكن إعادة بناء الإنسان تظل أكثر إلحاحاً من إعادة بناء الحجر. فالحروب حين تنتهي عسكرياً، تبقى آثارها النفسية والاجتماعية إن لم تُعالج عبر الثقافة والفنون والتعليم والإعلام.
إن أخطر ما يمكن أن يواجه السودان اليوم ليس فقط الدمار أو النزوح، بل تطبيع خطاب الكراهية حتى يصبح أمراً عادياً في الحياة اليومية. هنا يأتي دور المؤسسات الثقافية والإعلامية، ليس كشريك هامشي، بل كخط دفاع أول عن وحدة المجتمع.
السودان الذي أنجب هذا الإرث الفني والثقافي الكبير، قادر على أن يهزم الكراهية بالأغنية، ويهزم العنصرية بالكلمة، ويهزم التشظي بروح شعب ظل، رغم كل شيء، يؤمن بأن ما يجمعه أكبر مما يفرقه.