المخدرات في مرمى المواجهة: هل تكفي الجهود الرسمية؟

كتبت / حفيه الياس
لم يعد ملف المخدرات في السودان مجرد قضية جنائية عابرة، بل تحول إلى تحدٍ مركب يمس الأمن الاجتماعي والصحي والاقتصادي في آنٍ واحد. التصريحات الأخيرة للإدارة العامة لمكافحة المخدرات خلال المنبر الإعلامي الدوري للشرطة بقاعة رئاسة السجون بالخرطوم امس تكشف عن حجم الجهد المبذول، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مدى كفاية هذه الجهود في مواجهة ظاهرة تتنامى في ظروف معقدة.
الأرقام التي تم الإعلان عنها في التقرير الجنائي لعام 2025 ليست عادية؛ آلاف البلاغات، وعشرات الآلاف من المتهمين، وكميات ضخمة من المواد المخدرة المضبوطة. هذه المؤشرات تعني بوضوح أن المعركة لا تزال في بدايتها، وأن حجم الانتشار أكبر مما يظهر على السطح. صحيح أن ضبط مصانع لتصنيع مواد خطيرة مثل الآيس والكبتاغون يمثل إنجازاً أمنياً مهماً، لكنه في المقابل يكشف عن تطور نوعي في نشاط الشبكات الإجرامية.
اللافت في حديث المسؤولين هو التركيز على ثلاثة محاور: تقليل العرض، معالجة الإدمان، والتوعية المجتمعية. وهي بلا شك محاور صحيحة من الناحية النظرية، لكن التحدي الحقيقي يكمن في التطبيق العملي. فالتوعية وحدها لا تكفي إذا لم تُدعَم بسياسات تعليمية وإعلامية مستمرة، ومعالجة الإدمان لن تحقق نتائج دون بنية صحية قادرة على استيعاب الحالات، أما تقليل العرض فيظل مرهوناً بقدرة الأجهزة على السيطرة على الحدود ومنافذ التهريب، خاصة في الولايات ذات الطبيعة المفتوحة.
الإشارة إلى ولايات البحر الأحمر وكسلا والقضارف باعتبارها مناطق ذات أهمية استراتيجية تعكس فهماً لطبيعة المشكلة، إذ تمثل هذه المناطق بوابات عبور رئيسية. لكن التعامل مع هذه الحقيقة يتطلب أكثر من خطط؛ يحتاج إلى تنسيق إقليمي وتعاون دولي فعّال، لأن المخدرات لم تعد شأناً محلياً بل شبكة عابرة للحدود.
من النقاط المهمة أيضاً الدعوة إلى الشراكات المجتمعية، من الأسرة إلى الجامعات، ومن الإعلام إلى المؤسسات الدينية. هذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن المواجهة الأمنية وحدها غير كافية. غير أن السؤال يظل: هل هذه الشراكات فاعلة بالفعل أم لا تزال في إطار الشعارات؟
في ظل ظروف الحرب والتحديات الاقتصادية، قد تبدو مكافحة المخدرات مهمة صعبة، لكنها في الحقيقة معركة لا تحتمل التأجيل. فكل تأخير يعني جيلاً جديداً يقع في دائرة الإدمان، ومجتمعاً يدفع الثمن مضاعفاً.
ختاماً، يمكن القول إن الجهود المبذولة تستحق التقدير، لكنها تحتاج إلى تطوير وتسريع، والأهم من ذلك إلى تقييم مستمر وشفاف. لأن معركة المخدرات لا تُكسب بالخطط وحدها، بل بالإرادة الجماعية التي تبدأ من الدولة ولا تنتهي عند الأسرة.