رأي

من (ما عدا المؤتمر الوطني) إلى (ما عدا الدعم السريع).. إلى أين يتجه المشهد السياسي في السودان

ركابي حسن يعقوب يكتب

بيان السفير الحارث إدريس مندوب السودان الدائم بالأمم المتحدة الذي ألقاه الخميس الماضي 19 ديسمبر/ كانون الأول أمام جلسة الإجتماع الوزاري لمجلس الأمن الدولي حول السودان تضمن واشتمل على قضايا عديدة متعلقة بالحرب المستمرة في السودان
، فتناول بالتفصيل القضايا الإنسانية، وموقف الحكومة السودانية الداعم للجهود المختلفة لضمان توصيل المساعدات الإنسانية للنازحين وحرصها على حماية المدنيين وتنفيذ القرار 1591 في دارفور والقرار 2736 المتعلق بالملكية الوطنية لصنع السلام ووقف الحصار على الفاشر والمدن الأخرى التي تحاصرها قوات الدعم السريع.
كما تناول البيان كذلك الكشف عن المزيد من الأدلة الجديدة التي تثبت تزويد قوات الدعم السريع بالدعم العسكري واللوجستي عبر عدد من دول جوار السودان واستخدام مهابط طيران سرية في مدينة (نيالا) بجنوب دارفور، كما تطرق المندوب في بيانه إلى قضية المرتزقة الكولومبيين الذين شاركوا في الحرب إلى جانب قوات الدعم السريع، وضرورة إدانة المنظمة الأممية لقوات الدعم السريع بسبب خروقاتها بخصوص حماية المدنيين لردعها عن الإستمرار في ارتكاب المزيد من الخروقات.
غير أن أهم ما جاء في بيان مندوب السودان في الأمم المتحدة، والذي يعتبر تطوراََ جديداََ لم يسبق التطرق له وذكره صراحة وبصورة مباشرة هو تأكيده على أنه ستكون هناك عملية سياسية شاملة في البلاد يتم ابتدارها بعد وقف الحرب وفق رؤية وطنية خالصة..
وتأكيده (القاطع) على أنه لن يكون لقوات الدعم السريع أي دور في هذه العملية السياسية ولا أي دور في مستقبل السودان..
وهذا التأكيد يعتبر تطوراََ جديداََ له أهميته، فهو يضع حداََ لكل التكهنات التي وردت وترد بشأن مستقبل الحياة السياسية في السودان عقب انتهاء الحرب وما ستكون عليه، وماهية القوى السياسية التي ستكون فاعلة فيها، وتلك التي سيتم استبعادها.
هذا الشق من بيان مندوب السودان بالأمم المتحدة الخاص بالموقف السياسي ما بعد الحرب، له دلالات عديدة أكسبته أهمية خاصة، في هذا التوقيت الذي تتسارع فيه الأحداث على الصعيد العسكري الميداني حيث يشهد هذا الميدان تقدماََ واضحاََ للجيش فيه والقوات المتحالفة معه، وتقهقراََ كبيراً على جبهة قوات الدعم السريع وفقدانها للكثير من المناطق التي ظلت تسيطر عليها منذ بداية الحرب وتحديداََ في العاصمة الخرطوم في وضع ينذر بالوصول بها إلى حالة الإنهيار المفاجئ ، خاصة وأن الخلافات بين المكونات القبلية داخل هذه القوات آخذة في الاتساع مع اشتداد المعارك وشهد الأسبوع الماضي مواجهات عنيفة بين هذه المكونات سقط جرائها عدد غير قليل من القتلى من الجانبين..
ويمكن استخلاص عدد من الدلالات من وحي حديث مندوب السودان في الأمم المتحدة في شقه الخاص بالعملية السياسية ما بعد الحرب على النحو الآتي :
* أن الحكومة السودانية ترى أن الحسم العسكري لصالحها قد بات قاب قوسين أو أدنى، وتريد أن تشرع في رسم إطار لما سيكون عليه المشهد السياسي بالبلاد لما بعد الحرب، وتريد إطلاع المجتمع الدولي على هذا الإطار وإشهاده عليه، لقطع أي شكوك قد تنتاب بعض القوى الدولية الفاعلة حول المستقبل السياسي في السودان، وبصورة أكثر تحديداََ حول دور الجيش في السلطة ومصير الحكم المدني.

* الدلالة الثانية هي إغلاق الباب عملياََ أمام أي مبادرات أو اتفاقات سابقة أو لاحقة تتعلق بالتفاوض مع قوات الدعم السريع بما يفضي إلى تسوية تعيده إلى وضعه السابق ما قبل 15 أبريل 2023.

* أن القوى والتنظيمات السياسية والاجتماعية وحركات الكفاح المسلح ومنظمات المجتمع المدني والقيادات الأهلية المحلية والطوائف الدينية التي وقفت مؤيدة ومساندة للجيش ومقاتلة في صفه ضد قوات الدعم السريع ستكون جزءاً أصيلاََ و لاعباََ أساسياََ وفاعلاََ في المسرح السياسي ما بعد الحرب.

* وبالمقابل، وهي الدلالة الرابعة أن القوى والتنظيمات السياسية ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الأهلية والرموز الطائفية التي ساندت الدعم السريع في الحرب وعلى رأس هذه القوى تنسيقية (تقدم) برئاسة حمدوك والمتحالفين معها، لن يكون لها أي دور من أي نوع في مستقبل السودان ولن يكونوا جزءاً من أي وفاق سياسي، ومن المفارقات المرتبطة بهذه الدلالة أن قوى الحرية والتغيير التي كانت تعرف اختصاراََ ب (قحت) وهي التي تحولت إلى (تقدم) لاحقاً بعد نشوب الحرب، أنها لطالما ظلت تؤكد وتردد النص الوارد في الوثيقة الدستورية الذي يقول بشمول العملية السياسية لكل القوى السياسية (ما عدا المؤتمر الوطني)، وورد أيضاً في الإتفاق الإطاري الذي أشعل الحرب، والمؤتمر الوطني هو الحزب الذي يمثل الإسلاميين، وها هي تلك القوى تنطبق عليها نفس العبارة الآن ، والتي جاءت في بيان مندوب السودان في الأمم المتحدة ، الذي قال فيه إن العملية السياسية ستكون شاملة (ما عدا الدعم السريع)، وبالطبع يشمل الاستثناء الجناح السياسي للدعم السريع (تقدم).

* ويرتبط بهذه الدلالة ضمناََ و بالتوالي دلالة أخرى هي أن الإسلاميين سيكونون جزءاً من المشهد السياسي القادم بحكم وقوفهم الواضح والمعلن مع الجيش ضمن ما هو معروف بالمقاومة الشعبية التي تقاتل الدعم السريع تحت إمرة الجيش كأفراد متطوعين وجماعات مستنفرة ، وهو تطور مهم يعكس حجم التغيرات الهائلة التي أحدثتها الحرب في مصفوفة التحالفات السياسية.

* كذلك فإن حركات الكفاح المسلح المساندة للجيش والمعروفة ب (القوات المشتركة) هي الأخرى سيكون لها دور سياسي في ما بعد الحرب، عبر أذرعها السياسية، وحواضنها الاجتماعية، ويقتضي لتحقيق ذلك توفيق أوضاع هذه الحركات فيما يتعلق بالشق العسكري لها، وهذا ربما يتم وفق ترتيبات فنية خاصة يتفق عليها لإدماجها في الجيش والقوات النظامية الأخرى وهو الحل الأوحد الذي يضمن تفادي تكرار تجربة قوات الدعم السريع وتحقيقاََ لمبدأ وحدة وقومية المؤسسة العسكرية، وهي الدلالة الأخيرة المستقاة من بيان مندوب السودان أمام جلسة مجلس الأمن.
ومن المتوقع أن يثير هذا الاعلان عن (عملية سياسية شاملة) في السودان بعد الحرب جدلاََ واسعاََ حوله خاصة في أروقة القوى السياسية المساندة للدعم السريع، ومن ورائها القوى الإقليمية الداعمة لها التي بدأت تستشعر ضعف الموقف العسكري الميداني للدعم السريع، وتريد أن تستعيض عنه بفرس الرهان
المدني المتمثل في (تقدم) ليجد له موطئ قدم في مضمار الحياة السياسية في السودان وإلحاقه بالسباق القادم بعد أن تضع الحرب أوزارها، وتجدر الإشارة هنا إلى بروز خلاف بدأ يحتد ويتعمق بين مكونات(تقدم) حول مسألة تشكيل حكومة منفى ما بين مؤيد ومعارض تقول كل المؤشرات إلى أنه قد يفضي إلى انشقاق..
فهل ستسلم هذه القوى بخسارتها عسكرياً وسياسياََ وتصبح كالمنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى..
أم ماذا هي فاعلة..
وبالمقابل فإن الساحة الداخلية في السودان وفي أوساط القوى الشعبية والسياسية والوطنية وكل الفئات المجتمعية التي تأذت من انتهاكات وممارسات وفظائع قوات الدعم السريع يتوقع أن يثير فيها هذا الإعلان ارتياحاََ كبيراً وبصورة أشد وأكثر خصوصية في أوساط إثنية (المساليت) التي عانت وما تزال تعاني من اعتداءات وهجمات ومجازر الدعم السريع والتي صنفها مجلس النواب الأمريكي مؤخراً بأنها إبادة جماعية..