رأي

جوبا بين إتفاقية السلام المنشطة … وحوار توميانى (الأمل ) (٣-٣)

د. يس طه النذير

الضغوط الدولية الإقليمية و الصراع حول الرئيس سلفاكير والتقرب منه ، ومن يخلفه ؟ لم تكن بعيدة فى جعل الاجواء فى جوبا في هذا الربع الأخير من العام 2024م أكثر إلتهابا وتفرداً من الأعوام السابقات ، صراع المجموعات حول الرئيس سلفاكير والمرتبط بالمصالح الاقتصادية والاجتماعية كانت حاضرة فقد تمكنت مجموعة د بنجامين بول ميل مستشار الرئيس لشؤون الخاصة ورجل الأعمال من بسط سيطرته على المواقع القريبة من صناعة القرار حول الرئيس وازاحة وضرب كل مراكز القوة التى كانت قريبة من الرئيس و تسيطر على القرار الرئاسى وتصنعه في أحيانا كثيرة ، من نتائج حركة الإقالات الأخيرة والازحات أصبح د بنجامين بول على رأس رجال حول الرئيس قائداً لتيار الموالين الأقرب للرئيس سلفاكير فى القصر الرئاسى ، وقد جاء غالب الذين تمت تسميتهم فى المؤسسة الامنية والعسكرية والاقتصادية الجدد ومن ولاية واراب ولاية الرئيس سلفاكير حيث شكلت الحلقة الأقرب والأقوى.
الناظر لهذا الصراع حول الرئيس ينفذ سريعا إلى أن هذا الصراع حول الرئيس ، ليس صراعاً حول المصالح الاقتصادية والاجتماعية فقط ، بل يجد أن جوهره صراعاً سياسيًا من الدرجة الأولى حول من يخلف الرئيس ؟ وهو السؤال المطروح فى الإقليم و فى المؤسسات الدولية بصورة كبيرة ، وبصورة خفية داخل مؤسسات الحزب الحاكم والجيش الشعبي ومجلس أعيان الدينكا السلطة القبلية الأقوى.
إتفاقية السلام المنشطة تنص أن موقع الرئاسة فى جنوب السودان من نصيب الحركة الشعبية في الحكومة ، وأنها من تملك حق الترشيح في حال خلو مقعد الرئيس وبالتالى فإن جميع قوى المعارضة لا تملك هذا الحق أو حتى مشاورتها ، بل عليها الإنتظار لما تسفر عنه مشاورات الحزب الحاكم ومجلس أعيان الدينكا والجيش الشعبى ، وبحسب التراتبية التنظيمية فى الحزب فان د جيمس وانى ايقا هو من يلى الرئيس فهو النائب الأول فى الحزب إلا أن هذا لا يعنى أن الحزب ملزماً بالاحتكام إلى هذه التراتبية كما جرى عقب وفاة د جون قرنق ، فقد جرت متغيرات كثيرة داخل الحركة الشعبية والجيش الشعبي فرضتها ظروف الانقسامات ، والحرب الاهلية ، وبروز مراكز قوة جديدة ، إلى جانب السلطة المطلقة للرئيس سلفاكير في صناعة القرار ، كلها عوامل تضعف من آليات إختيار خليفة الرئيس داخل المؤسسة ، مهما كانت هذه الآليات والمعايير فى إختيار خليفة الرئيس وفق سيناريوهات الوفاة ، أو العجز المطلق ، أو تنازله اختيارا ، فالسيناريوهات ليست مطلقة بل في داخلها خيارات وسيناريوهات يمكن أن تعصف بالموقف السياسي كلها وتعيد الحرب الأهلية مرة أخرى .
بالرغم من كل ذلك يمكن الإشارة إلى بعض الشخصيات الأقرب لواقع التراتيبية التنظيمية الحزبية والاثنية لعل أبرزهم د جيمس وانى ايقا ، الجنرال كوال مجانق ، الجنرال دانيال اويت ، د نيال دينق نيال ، د بنجامين بول ميل وليست هى مجرد ترشيحات تطلق فى الهواء بل ترشيحات مسنودة بعوامل كثيرة قريبة من تاريخ المذكورين وتفاعلات الحركة داخل الحزب والدولة والجيش الشعبي.
فرضت الأوضاع الاقتصادية و السياسية والأمنية على حكومة الرئيس سلفاكير مراجعة مواقفها تجاه السودان على ضؤ الانهيار الاقتصادي الوشيك لحكومة جنوب السودان ، بسبب توقف عائدات النفط من جراء الحرب التى تشنها قوى الميليشيا المتمردة واستهدفت بها تدمير مؤسسات البنية التحتية للدولة السودانية ، ومنها خطوط نقل صادر البترول ، وسبب أخر مرتبط بتطورات الأوضاع في الميدان والذى تحول كلية لمصلحة القوات المسلحة السودانية خاصة بعد الهزائم فى مناطق النيل الأزرق وسنجة ومحاولات القوات المتمردة الدخول إلى جنوب السودان مما دفعها لضرب بعض المحطات العسكرية الصغيرة للجيش السودانى وبعض القرى الحدودية ، فضلا عن معلومات الخرطوم حول عبور بعض الطيران الداعم للمتمردين عبر الاجواء الجنوب السودانية وبموافقتها ، إضافة إلى وجود إتصالات بين قيادات الميليشيا المتمردة وبعض النافذين في الحكومة .
بلغت قمة التواصل بين البلدين بزيارة الرئيس البرهان لجوبا فى زيارة وصفت من قبل المراقبين بأنها من أنجح الزيارات بين الطرفين حيث تناولت الزيارة الموضوعات السياسية والاقتصادية والامنية تحديداً ملف النفط و القوات المتمردة وتحركاتها على الحدود ، فضلاً عن التحركات العدوانية لبعض دول الإقليم التى وقعت تحت سحر المال الاماراتى فسخرت الايقاد لدعم المليشيا المتمردة ، لعل زيارة الشيخ شخبوط تحت ساتر الاستثمارات الاماراتية ومارشح عنها من معلومات دليلا ساطعا على المحاولات الاماراتية إنقاذ المليشيا من الانهيار بزيادة الدعم لها عبر دول الجوار .
ونحن نلخص هذا المقال وقد أنفض سامر المتحارون حول توماينى فى نيروبى دون الوصول إلى اتفاق أو إعلان مشترك ، حيث جاءت التصريحات متعارضة ففي الوقت الذى أعلنت فيه المعارضة عن فشل الوساطة وإن المفاوضات وصلت لطريق مسدود واتهمت الحكومة بغياب الحساسية تجاه محنة الشعب ، فقد صرح الوسيط أن الجلسات أحرزت تقدماً ملحوظاً وستستأنف الوساطة فى منتصف يناير ، فى ذات الوقت صرحت الحكومة إن المفاوضات لم تنهار وأنهم يذهبون إلى جوبا للتشاور ، هذه التصريحات المتباينة تعكس تباعد المواقف بين الأطراف وأن القضية لا تعدو و بعد حوار إستمر لأكثر من عام إنها مجرد مسرحية حكومية لدغدغة مشاعر الشعب أن وراء هذه الجعجعة طحين يُنتظر ، أم المعارضة فليس لديها ما تخسره من إعلان فشل المفاوضات عسى أن تكسب الرأي العام .
فى هذا الوقت تظل اسئلة كثيرة معلقة فى مواجهة الواقع الجنوب السودانى ، منها إلى متى يمكن أن يستمر الاطراف فى الحوار المسمى( بالأمل) ؟ هل يصل الأطراف لإتفاق يطيح بإتفاقية السلام المنشطة ؟ أم يتوافق الأطراف على مواقف وسطى يشكل الحد الأدنى بين الحكومة والمعارضة ؟ الآن وقد أنفض السامر ماذا عن الموقف الاقتصادي ؟ ومازال العاملين بالدولة ينتظرون مرتب شهر واحد فقط من جملة ثمانية أشهر!! وبين هذه الهموم يتصارع آخرون للحصول على موطئ قدم حول الرئيس .