رأي

هل تود أن تكون ذا رأي دون أن تخرق لائحة؟

• في عام 1931 صدر كتاب بعنوان “مائة كاتب ضد آينشتاين”، تمحور الكتاب حول انتقاد آينشتاين وتقد نظريته النسبية. ضم الكتاب بين دفتيه مجموعة مقالات قصيرة خطها 28 كاتباً. بالإضافة لمقتبسات من أوراق علمية منشورة لعدد 19 كاتب آخر، بجانب إسهامات 53 شخصاً من المناوئين لنظرية آينشتاين النسبية لأسباب مختلفة، وصفوا من قبل مؤرخو وفلاسفة العلوم بأنهم كانوا تمومة عدد إكمال المائة.
• لم يكن الكتاب كما وصفه مؤرخو وفلاسفة العلوم ردة فعل من مجتمع علماء الفيزياء في ذلك الوقت تجاه ما جاء به زميلهم العالم الفيزيائي آينشتاين، إذ لم يكن من بين من أسهموا في تأليفه سوى عالم فيزيائي واحد فقط.
• كما لم يكن الكتاب ترجمة أو تعبيراً عن ثورة شباب أو حركة احتجاج يقودها شباب علماء الفيزياء ضد عواجيزها، إذ لم يكن من بين مؤلفيه من هم أصغر سناً من آينشتاين سوى أثنين فقط.
• كان الكتاب حسب وصف مؤرخي العلوم وفلاسفتها فرفرة مذبوح وصرخة مستغيث من بعض الرواد من الحرس القديم من العلماء الذين فاتهم قطار العلم وآذنت شمس مجدهم العلمي بالمغيب، وشعروا بالعزلة والعجز عن ملاحقة التطورات العلمية المتسارعة التي كان يخطوها قطار العلم في مجال الفيزياء، فتكتلوا مائة كاتب ورموا الرجل ونظريته بسهم واحد في محاولة لصرف الناس عنه وعن نظريته التي نسفت كل ما كان يتعلق به الأقدمون من علماء الفيزياء.
• ولكن حين انبرى آينشتاين للرد على هذ الكتاب ذي المائة كاتب لم يكلفه الرد سوى بضع كلمات موجزات: لماذا مائة كاتب؟ لو كنت مخطئا لكفى واحد لإثبات ذلك.
• فإذا كنت عزيزي القارئ من هواة المناظرات والمجادلات في وسائط التواصل الاجتماعي وغير وسائط التواصل الاجتماعي، وتتطلع في ذات الوقت لأن يكون رأيك هو الغالب والأكثر تأثيراً دون أن تخرق لائحة ضبط عمل القروب أو المنبر الذي أتاح لك فرصة التواصل منه، فاحرص أولاً على ألا تكون صاحب غرض، أو تمومة عدد.
• وأعلم ثانياً بأن “القندول الواحد قد يشنقل الريكة”، وأنك لست في حاجة للكثرة سواء كانت من مناصرين صرحاء أو بتكرارك لرأيك في اليوم والليلة ألف ألف مرة، سواء باللفظ أو المعنى أو الاثنين معاً، فإنها (أي الكثرة) لا تغني عن الحق شيئا، وأنها لا تصلح أيضاً إثباتاً لعدالة أو الدلالة عليها، وأعلم أنه “إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله، إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون”. وأعلم أن اعتمادك على الكثرة مهما كان مصدرها لا يزيد الآخرين من رأيك إلا نفورا، فالعمر ليس “بعزقة”، على أقل تقدير هذا ما أفعله أنا شخصياً في كافة القروبات التي انتمى إليه، كبديل للخيار الثاني، مغادرة القروب.
• هناك مسائل على قول المهاتما غاندي لا تشفع فيها الكثرة، كمسألة الضمير حيث لا مكان لقانون الأغلبية فيها، ومسائل الحق وموازين العدل كذلك، حيث أن “كل شاة معلقة من رقبتها”، وحيث “لا تذر وازرة وزر أخرى”.
• ينطبق الأمر ذاته على مجالات المعرفة والتحصيل العلمي. ففي مثل هذه الأمور لا يعبأ إلا بقيمة الملاحظة العلمية ولا يلتفت إلا للدليل المادي الدامغ. لا وزن لكلمة “الإجماع” أو عبارة “غلبة الأصوات”.
• وأعلم رعاك الله، إذا أردت أن تكون مؤثراً في الآخرين، أن تكون متأثراً بهم أيضاً، فالحياة أخذ وعطاء، كن متفتح الذهن والعقل، وعلى استعداد لاستيعاب وجهات نظر الآخرين، لا تتشبث بموقف واحد، أو برأي واحد أبدا، فإنه على رأي شيخنا الجنيد عليه رحمه الله، لا يتشبث بحال واحد إلا مرائي. فالصادق، على قوله رحمه الله، “يتقلب في اليوم أربعين مرة، والمرائي يثبت على حالة واحدة أربعين سنة”.
• الصادق لا تراه إلا هارباً، من حال إلى حال، ومن سبب إلى سبب، لأن الصادق يخاف كل حال يطمئن إليه. فهو كالجوال في آفاق طلب الحق حتى يجده، وأينما وجده فهو أحق به. فكل صادق في طلب شيء لا يستقر له قرار، ولا يدوم على حال واحد.
• أخيراً، يستوجب الحديث في خاتمة هذا المقال حول أدب الحوار والمفاصلة استدعاء مقولة الشاعر الفيلسوف أبي العلاء المعري: إذا قلت المحال رفعت صوتي وإذا قلت اليقين أطلت همسي”.
• “ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا” صدق الله العظيم.
• ورحم الله القائل: إذا كنت ذا رأى فكن ذا عزيمة * فإن فساد الرأي ان تترددا.

كانت تلك قراءاتي من مصادر عدة لهذا اليوم.

تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتحياتي.

عبد العظيم ميرغني