رأي

من مذكرات تلميذ من بخت الرضا الحلقة (4)

هل تذكرون صديقي أحمد عبد الله حميدة أبشنب، ذاك الذي حدثتكم عنه وقلت أنني قد اقترحت عليه تدوين مذكراتنا المشتركة بدءاً من فترة الدراسة الأولية بمدرسة قريته الصوفي. وتذكرون كيف أنه قد اعتذر عن الحديث عن الصوفي ما لم يقرنه بالحديث عن قرية ود نمر المجاورة لقريته متحججاً بأنهما توأمتان ودرتان على النيل كما مكة والمدينة عند علماء بني شنقيط، عينان في رأس، ولكن الصوفي هي العين اليمنى كما المدينة هي العين اليمنى عند العلماء الشناقيط.
لا شك أنكم تذكرون كذلك أنني قد حدثتكم أيضاً عن كيف أنه حينما كان مسؤولاً عن استلام شاي الصباح في داخليتنا، داخلية مدرسة النيل الأبيض الوسطى التي أصبحت ثانوية عامة ونحن لا زلننا في رحابها إثر تطبيق سلم دكتور محي الدين صابر التعليمي، وتقطَّع اللبن كيف أنه قد تبرع بكامل مصروفه الشخصي، خمسة وسبعين قرشاً عداً نقداً، تكلفة حليب بدرة جاف ليتلافى بها المشكلة التي كانت لو حدثت لأدت لإضراب عام عن الدراسة، ففوت علينا بفعلته هذه فرصة إضراب وفوت على نفسه في ذات الوقت فرصة إبراز العضلات وادعاء البطولة بتجريم جهة ما، وهي فرصة ما كان ليفوتها كثيرون من أصحابنا في ذلك الوقت الباكر من العمر، أن يقطِّع لبن شاي الصباح في ذاك الزمان ويمر اليوم الدراسي كالعادة، طابور صباح ولف دور نحو الفصول، ذاك ما كان ليحدث، محال.
لا أظنني في حاجة بتذكيركم بصديقي أحمد أبشنب بأكثر من هذا، فأبشنب كان قد نشر علينا قبل وقت قريب ثلاث حلقات عن ذكرياته بالمرحلة الوسطى/الثانوية العامة التي قال عنها أنها قد أعطته الكثير. أما ذكرياته عن المرحلة الثانوية بمدرسة النيل الأبيض الثانوية العليا التي انتقلنا إليها سوياً من مدرسة النيل الأبيض الثانوية العامة والتي سيحكيها عليكم في هذه الحلقة فقد بدأها باعتراف أنه قد ظلم فيها نفسه ظلماً كبيراً، قبل أن يسارع ليضيف بأن الله لا بد أن يكزن قد أراد به خيرا كثيرا، ليؤكد ذلك تمثل بزياد بن أبيه فقد تمثل بقول زياد بن أبيه حين أدركته المنية، وهو الذي حقق كل ما أراد، وجمع المجد من أطرافه وملك ملكاً لم يحوز مثله غير معاوية، ليتني كنت أرعى الغنم في أدناها وأعلاها ولم أقدم على ما أقدمت عليه.
نعم ظلمت نفسي في المرحلة الثانوية –يقول أبشنب- ما كان ينبغي لي أن اخرج من النيل الأبيض الثانوية العليا بذلك الانطباع السلبي محبطا، وعلى بصري غشاوة لا اكاد استبين منها خطاي. فالنيل الأبيض مدرسة عريقة ومنارة من منارات النور والهدى وقفت مع حنتوب وخور طقت ووادي سيدنا الكتف بالكتف والقدم بالقدم. وكانت تمتع اهل النيل الابيض قاطبة ليلة اذاعة النتائج حين يذيع المذيع الذين حصلوا على الدرجة الأولي ثم الدرجة الثانية بالعشرات فى حين أن كثيراً من المدارس وصمت بعبارة لم يقبل أحد. فقد كانت النيل الأبيض الثانوية العليا بمثابة الهوية والبطاقة التي وحدت وجدان كل شباب النيل الأبيض، دفعت برجال وقامات تتسامى قاماتهم ومقاماتهم في جميع المحافل على مستوى الوطن والساحات المتنافس عليها إقليميا وعالميا منظمات وهيئات. لكن كبا فرسي كبوة كسرت ساقه وذلك حين فصلت من المدرسة وليس من الدراسة ظلما وتشفيا بسبب الاضراب الشهير في زمانه ومحيطه. ويشهد الله أنى لم أكن من صانعيه أو طابخيه ولكنه حين أصبح واقعا لا مخرج أو مفر منه، قد اخرجته وأصحابي في الاتحاد الذي كنت رئيسه إخراجاً راض عنه كل الرضا إلى يومي هذا.
لكن كان لي في فصلى من المدرسة خير كثير حيث تم قبولي بمدرسة الجيلى الثانوية التي حببها اليَّ ربي فى هجرتي القسرية، وحيث قال لي مديرها مرحبا، مرحباً بك يا ابني وأهلا، وما كنت لأقبلك بمدرستي لولا معرفتي الشخصية بالمدير الذي طردك.
اندمجت في مجتمع الجيلي الجديد دون تردد أو عناء فهو وسط أجيد السباحة فيه. وقد تم اختياري ممثلاً للمدرسة في الاجتماع الذي دعا له اتحاد ثانويات العاصمة المكون من ستة عشرة مدرسة والذي اتخذ مدرسة ام درمان الأهلية مقراً له. وقد كان تكليفي هو استثناء مدرسة الجيلي من المشاركة في إضرابات شعبان الشهيرة، أولاً لأن المدرسة رغم عضويتها في اتحاد مدراس العاصمة إلا أنها مدرسة ريفية غالب طلابها من الأقاليم فكان من غير المنطقي أن يشاركوا في الإضراب ثم يضربوا بعد ذلك في أرض السودان الواسعة إلى الجنينة وبورتسودان وحلفا بكل ما في ذلك من تبعات. وثانياً لأن عدم دخول المدرسة في اضراب مهم بالنسبة لي شخصياً لأن المدير حذرني حينما رضي بي طالباً في مدرسته أن “لو المدرسة دي اضربت أنت المتهم الأول”.
ذهبت تحت جنح الليل لام درمان الاهلية –يقول أبشنب- وبرفقتي زميل يدعى عبد المنعم فوجدناهم مجتمعين ورحب بي حسين خوجلي، رئيس اتحاد مدارس العاصمة، بصفتي رئيس اتحاد مدرسة النيل الأبيض بالدويم واصفا اياها بأنها أول مدرسة تتحدى نميري وجهاز أمنه وتشعل شرارة الإضرابات التي انتظمت المدارس والجامعات.
لأول مرة –يقول أبشنب- أعرف أننىي كنت مناضلاً سياسياً، وأنني كنت وراء خراب سوبا، وإشعال نيران إضرابات شعبان دون أن أدري أو يخبرني أحد، فصرت أغنى لنفسي بصوتي الأجش الخشن “انت يا المسير وماك مخير عند الله جزاك”، وعبد المنعم زميلي يضحك دون أن يفهم شيئا. المهم نجحت في مهمتي وخرجت من رئيس اتحاد مدارس العاصمة بخطاب مختوم بختم ما عارفه ختم شنو، يستثني مدرسة الجيلي من المشاركة في إضرابات شعبان شريطة أن تأوي عدداً من الطلاب المطاردين من قبل جهاز الأمن وتأمن نشاطاتهم بعيداً من العاصمة.
حقيقة –يضيف أبشنب- إن إضراب النيل الأبيض الذي ترأسته بصفتي رئيس اتحادها ما كان له علاقة بالعمل السياسي أو بنظام نميري ولكن كما بدا من حديث رئيس اتحاد مدارس العاصمة حسين خوجلي أننا ربما كنا مستدرجين له استدراجاً، فالإضراب كان مطلبياً بحتاً يتعلق بالسكن وتحسين الخدمات وبيئة الداخلية وبصفة خاصة الحمامات وعجز سرائر الداخليات وبمواد كانت قد منحتها بعض الجهات للداخليات وتصرفت فيها الإدارة في غير أوجهها ودون علم الطلاب. وأنا نفسي –يقول أبشنب- لم تكن لي علاقة بالأمور السياسية وقتذاك حتى أن التقارير التي رفعت عني كانت متضاربة، بعضها نسبني لكوادر الأخوان المسلمين وبعضها نسبني لكوادر الحزب الشيوعي.
أختم بالقول لصديقي أبشنب هوِّن عليك فنادرا ما تكون هناك إضراباً أو حرباً يقاتل فيها لأسباب ومبررات واضحة وحقيقية… ونواصل.

تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتحياتي.

عبد العظيم ميرغني