في سباق الحياة

• في رواية “من خلال المرآة”” التي تمثل مع رواية “مغامرات أليس في بلاد العجائب” قمة أدب الأطفال شعبية في العالم، يجري حوار رائع ومثير بين “أليس”، الطفلة التي جعلها المؤلف لويس كارول بطلة لروايتيه، و”الملكة الحمراء”، شخصية خيالية تظهر في الروايتين.
• يبدأ المشهد بملكة البلاد الخيالية وهي تمسك بذراع “أليس” وتجرها خلفها وهي تركض بأقصى سرعتها. ولدهشة “أليس” التي تركض خلف الملكة أنه رغم الركض السريع والمتواصل الذي يمارسانه إلا أنهما لم يبرحا مكانهما.
• فتقول “أليس” وهي تلهث متقطعة الأنفاس: “”في بلادنا يمكننا الانتقال من مكان إلى مكان آخر إذا ما ركضنا بأقصى سرعة لفترة طويلة كما نفعل الآن”. وترد الملكة: “”يالها من بلاد بطيئة الإيقاع بلادكم تلك، نحن هنا في هذه البلاد كما ترين يتطلب الأمر الركض بأقصى سرعة لنبقى في نفس المكان. أما الانتقال من مكان إلى آخر، فيتطلب ركضاً بسرعة تبلغ على أقل تقدير ضعف السرعة التي يتطلبها الركض لأجل البقاء في ذات المكان”.
• يرى البعض في تعبير “الركض بأقصى سرعة لأجل البقاء في ذات المكان”، الذي ورد على لسان الملكة الحمراء، تعبير مجازي في وصف سباق الحياة، وتسابق الأحياء في كافة أشكالها من أجل البقاء وتحقيق النماء والتطور والرفاه.
• على مستوى الأفراد مثلاً، أنظر عزيزي القارئ لمعظم الوقت والجهد والمال الذي كنا نبذله كل يوم لكي نبقي الأمور على حالها الذي هي عليه قبل الحرب. أنظر لروتين حياتك اليومية –عزيزي القارئ- كنت تركض يومياً منذ صباح الرحمن في كل الاتجاهات، وحتى يجن عليك الليل ويعسعس الظلام ويولي ويدبر، كنت تباشر أعمالك اليومية، تأكل وتشرب، تؤدي فروضك الأسرية والاجتماعية، تعاود المرضى تؤم المناسبات، تجري جري الوحوش، كل هذا الركض كان لا يبقي الأحوال -على أحسن تقدير- إلا على ما كانت عليه في اليوم السابق. أو بتعبير الملكة الحمراء “كل هذا الركض السريع المتواصل كان لأجل البقاء في ذات المكان” هذا قبل الحرب كما سبقت الإشارة.
• أما الانتقال النوعي من حال إلى حال فقد كان يتطلب ركضاً أسرع، بسرعة تبلغ على أقل تقدير ضعف السرعة التي يتطلبها الركض لأجل البقاء في ذات المكان” كما قالت الملكة. فكم من الركض يتوجب علينا أن نركضه من جديد لأجل الانتقال من الحال التي نحن عليها الآن ونحن في أتون هذه الحرب إلى الحال الأرفع التي ننشده بعدها؟
• ما ينطبق على الأفراد ينطبق على الشعوب والبلدان كذلك، أنظر –عزيزي القارئ- لكل الجهد والوقت الذي بذل ويبذل في الحوار الوطني منذ مؤتمر المائدة المستديرة وحتى حوار نيفاشا، وحوار المنطقتين، وحوار أبو جا، وحوار الدوحة، وحوار جوبا، وحوار الاطاري، وحوار جدة؟
• أنظر لكل مؤتمرات الصلح القبلي واتفاقياته التي وقعت وانهارت وتلك التي سلكت بفضل الله، أنظر لكل الوقت والجهد والمال الذي بذل ولا زال يبذل في الركض السريع المستمر والمتواصل في كل الاتجاهات منذ الاستقلال، قرابة السبعين عاماً، لأجل الإبقاء على الأوضاع على ما كانت عليه أو الحالة التي كنا عليها قبل الحرب، في عداد الدول الفقيرة النامية، في مؤخرة ترتيب سباق الأمم. فالبلاد التي تركض لتبقى وتعيش في ذات المكان، غير تلك التي تركض بسرعات مضاعفة، لترتقي وتنمو وترتاد الآفاق.
• مقولة الملكة الحمراء التي تسري على البلدان والأفراد التي هي في أرفع مراتب الجياة، تسري كذلك على مخلوقات الله الأخرى الضعيفة التي هي في أدنى مراتب الحياة، على الضفادع مثلاً التي تتغذي على الذباب، وعلى هذا الذباب الذي يسعى للإفلات من تلك الضفادع.
• من الضفادع ما مكنه الله من تطوير لسان طويلة تطال الذباب وتصطاده بسهولة، ومن الذباب ما مكنه الله من تطوير خاصية طيران سريعة تمكنه من الإفلات من لسان الضفدع الطويلة.
• من الضفادع ما سهل الله عليه عملية الإمساك بأجسام الذباب بتمكينه من تطوير خاصية لزوجة زائدة على اللسان الطويلة، في المقابل مكن الله الذباب من تطوير خاصية مبتكرة جديدة مضادة تكسب جسم الذباب لزوجة مضاعفة جعلته أكثر قدرة على الإفلات من لسان الضفدع الطويلة اللزجة.
• هكذا يستمر سباق الحياة بين الضفادع والذباب. فالضفادع التي مكنها الله من تطوير لسان طويل لزج توفقت من اصطياد ذباب وفير، مكنها من الركض بسرعات مضاعفة للفوز في سباق الحياة، ونقلها من الحال الذي كانت عليه إلى حال أفضل. والذباب الذي مكنه الله من مجاراة الضفادع بالركض بسرعات مماثلة لسرعاته المضاعفة نجا بنفسه وفاز معه بسباق الحياة.
• تلكم الضفادع التي لم تتمكن من مضاعفة الركض فقد أهلكه الله جوعاً. وذلكم الذباب الذي كتب عليه أن يتخلف عن سباق التسلح لكسب جولات الحياة فقد صار فريسة سهلة ولقمة سائغة للضفادع التي اجتهدت في سباق الحياة.
• ما ينطبق على الضفادع والذباب ينطبق كذلك على كافة حلقات السلسلة الغذائية الطبيعية من أعلاها إلى أدناها، الإنسان الذي يلتهم السمك، الذي يبتلع الضفادع، التي تعيش على الذباب.
• ما ينطبق على الأفراد من بني البشر ينطبق كما سبقت الإشارة على البلدان، فالبلدان التي تركض بسرعة مضاعفة تكون في أعلى مراتب سلسلة الأمم (الغذائية) والبلدان التي تركض بسرعة عادية تكون في أسفلها. أما تلك التي لا تركض خالص، أو تتقدم بثبات إلى الخلف كما هو حالنا الآن، فهي خارج إطار قول الملكة الحمراء، ولله الأمر من قبل ومن بعد ولكم نرجوه تعالى أن تكون الخطوات التي مشيناها للخلف تحفزا للوثوب إلى الأمام.
تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتحياتي.
عبد العظيم ميرغني