رأي

على تخوم جبال النوبة تاريخ مملكة تقلى

د . البشير على احمد محى الدين .
عرض-تلخيص-تحليل د .عبدالله صارمين (١-٢)
فى هذه الصفحات الموثقة يعيد د .البشير محى الدين قراءة تاريخ تليد لمملكة تقلى في جبال النوبة ، وهو التاريخ الذى طمره قصور المؤرخين والباحثين عن الغوص فى أعماق هذه المملكة ، وقد نثر شذرات من سيرة مدههشة لدولة نشأت على تخوم جبال النوبة الشرقية التى أخذت موقعا متميزا بين السفح والجبل ، ومزجت بين النوبة أهل الأرض وبين القبائل العربية الوافدة (ثقافتين تلاحقتا ) ، فكانت تلك المملكة التى برزت فى القرن السادس عشر الميلادي ، وعاصرت ممالك الفور والسلطنة الزرقاء فى سنار والمسبعات في كردفان ، وظلت حاكمة من ١٥٣٠– ١٨٤٤م فى مساحة تقدر ب ٤٠ ميلا حكما حقيقيا مباشراً ومساحات أخرى امتدت إليها سلطانهم بواسطة الزعماء المحليين الموالين.
الكتاب يقع في( ٢٠٨) صفحة ، وعدد( ٨ ) فصول ، ومدعوما بعدد من الملاحق والصور ، وفى مراجعه عدد من اللقاءات والروايات الشفاهية الحافظة لكثير من التاريخ السياسى لهذه المملكة التى لم تجد طريقها إلى التوثيق والتسجيل في الكتابات عن مملكة تقلارو أو تقلى .
الكتاب لم يقف كثيرا في الدور الوطنى المحفوظ الذى لعبته حكومة تقلى في المساندة السياسية والعسكرية لحركة المهدى في مراحلها الأولى وهى تحارب التركية ، بل قدم لمحات من المعارضة السياسية المبكرة ضد المهدية التى قادها القاضى ميرغنى ود تميم التى مثلت بداية الصراع مع علماء الدين و الطرق الصوفية ، وكانت هذه البداية غير الموفقة للحركة المهدية وعلاقتها بالمملكة سببا في حرمان الخليفة عبدالله التعايشي من الدعم والمساندة بعد معركة كرري عندما هام الخليفة التعايشي على وجهه بحثاً عن منطقة حصينة تأويه فى مواجهة قوات الإنجليز التى كانت تطارده .
، الكتاب قدم صوراً وإضاءات من الحياة الاجتماعية والاقتصادية والانفتاح الكبير على الوافدين من الممالك المعاصرة ، والإقبال على رجالات الطرق الصوفية خاصة السادة القادرية والسمانية والتجانية ودورهم الكبير في نشر الدين الإسلامي فى قرى المملكة الغربية .
هذه المملكة نتاج خليط القبائـل الزنجيـة والعربية والإسلام والديانات المحلية معبرة عن حالة الوئام الاجتماعي على الرغـم مـن الإختلاف اللغـوي والديني والذى لم يكن حاجزاً أمام التلاقح الثقافي والاجتماعي والتداخـل اللغـوي بين المكـون السوداني المتباين .
وتعد المملكة واحدة من الممالك السودانية الهامة التى لعبت دوراً هاماً خلال الفترة الانتقالية ، على الرغـم مـن أن تأثير مملكـة تقلى كان محدوداً في جبــال النوبــة الغربية إلا أنهــا تمثــل حلقــة مهمــة في التاريــخ الســوداني لموقعهــا وغنـى إقليمهـا بالمـوارد وتحالفاتها ونظامها العسكري والادارى والسياسي الصارم مما مكنها من المحافظة على استقلاليتها لفترات طويلة في وقت تساقطت الممالك من حولها ، كما أن وصفها بالمملكة الاسلامية أكسبتها سمعة طيبة .
التاريخ الإفريقي الاول لهذه المملكة منذ (كُبر كُبر ) قبل وصول (الجعلى الرباطى ) ظل مجهولا وضعيف التناول حتى اليوم ، وهو ما اشار اليه الكتاب بطريقة ذكية أن هذه المملكة وجدت اهميتها فى التاريخ السوداني بظهورها في الفترة الانتقالية بين تراجع الممالك المسيحية وظهور الممالك الإسلامية الافريقيه الفور المسبعات والفونج والانتقال من النظام (الامومي ) الأفريقي إلى النظام (الأبوي ) الاسلامى .