رأي

رحم الله عدلي حسين الأفندي

مرض أبو العلاء، فيلسوف المعرة وشاعرها، مرضًا شديدًا فوصفوا له الدجاج لعلاجه. فلما أتوه به وذبحوه ونتفوا ريشه وقدموه إليه مشويًا، نظر إليه وقال: “استضعفوك فوصفوك! هلا وصفوا شبل الأسد؟”
الدجاج من أكثر الفصائل الحيوانية الأليفة المقربة إلينا حين كنا صغارًا. كنا نخالطه في بيئة بيوتنا القروية دون حواجز من أقفاص أو غيرها. وكان غالباً ما يأكل معنا، أو بالأحرى من بقايا أكلنا. لم نكن نمد أيدينا إليه بالأكل إلا في حالتين، كما تقول النادرة: في حالة أن نكون نحن “العيانين” أو يكون هو “العيان”. وقد استثمرت شعبة المناهج بمعهد التربية بخت الرضا هذه الألفة التي نشأت بيننا، فجعلتها مضرب الأمثال في مناهج مدارسنا الأولية التي كانت منتشرة في البلاد آنذاك.
ولعل أبناء جيلي لا يزالون يذكرون قصة تلك الدجاجة الصغيرة الحمراء التي زرعت الفول وحدها وحصدته وحدها، وعزمت على ألا يأكله أحد معها. ونشيد “دجاجي” كذلك الذي كان يلقط الحب ويجري وهو فرحان، وقصة تلك الدجاجة الشليقة التي كانت تسرح تحت شجرة سدر حين سقطت على رأسها حبة نبقة، فأخذت تجري وتبكي وتنوح وتصيح: “سقط القمر! سقط القمر”!
أستميح القارئ عذرًا في أن أجعل من قصة هذه الدجاجة الشليقة الشقية رمزًا لقصتي التي سأرويها والتي جمعتني بالأخ المرحوم عدلي حسين الأفتدي لأنها من القصص المصنفة سرية، والتي وقعت حقيقة وكنت وعدلي رحمه الله ضحاياها، روايتي لهذه القصة ليس بغرض “شيل” حال أحد أو جهة، بل لاستخلاص الدروس والعبر وعكس واقع ظل يتكرر كثيراً عندما تتحول فيه الأحداث البسيطة إلى قضايا رأي عام.
فما إن انتشر “خبر السقوط” في الجوار حتى سرى كما النار في الهشيم على كافة المستويات، وتصدر مانشيتات الصحف تحت عناوين مثيرة مثل: “جهة مجهولة تدفع القمر للسقوط من علاه”. وفي اليوم التالي، صدرت إحدى الصحف وهي تزف خبر حصولها على الحقائق الكاملة لحادثة “السقوط”، بينما احتفت بقية الصحف بزميلتها صاحبة “الخبطة”. وتحدثت عن أدوار غامضة ومثيرة للتساؤلات والمحاسبة لعدة أطراف. وكان ما إن تهدأ الحملة حتى تنشطها بعض الأقلام تحت عناوين مثل: “لماذا تناسينا الحادثة؟” و”تفاصيل جديدة حول الحادثة.
واصلت كرة الثلج تدحرجها، فزعمت إحدى الصحف أن القمر قد شوهد وهو خارج مداره متجولًا بلا هدى نتيجة قوة الدفع التي تعرض لها. وتبارى كتاب الأعمدة في شرح كيفية تأثيرها على حركة دوران الأرض، وظاهرتي المد والجزر. وتفنن رسامو الكاريكاتير في إبراز آثار الحادثة، بينما أعلنت جمعية عشاق القمر ومحبي السماء الزرقاء عن وقفة احتجاجية.
لقد تنافس الجميع في تفسير الحادثة، بينما ضاع الفهم العلمي والموضوعي في خضم الإثارة الإعلامية والتكهنات العجيب التي انتهت في ظل تزايد الضغوط بتحويل القضية إلى قضية رأي عام ذات طابع سياسي، بالمطالبة بتشكيل لجنة قضائية للتحقيق في “الجريمة” مكتملة الأركان.
تواطأت الجهات الرسمية الثلاثة المسؤولة عن ملف القضية بالتزام اثنتين منهما الصمت رغم معرفتهما بالتفاصيل الدقيقة للقضية، بينما جمعت الثالثة مستشاريها الذين أشاروا عليها بتقديم رشوة للإعلام ليلهي بها الرأي العام ويصرفهم عن أصل القضية، فأُتت بالقربان، شخصي وعدلي الأفندي، فذُبح ونُتف ريشه، وقُدم مشويًا نهارًا جهارًا ليلتهمه الرأي العام قرباناً سياسياً واجتماعياً
كان وقع الأخبار التي تتداولها الصحف حول الحادثة قاسياً ومؤلماً بشكل بالغ علينا. وقد كان الأمر أشد قسوة وألماً بصفة خاصة على عدلي رحمه الله، ففي حين كنت مقتنعاً بأن القضية لا تسوى وكنت في ذات الوقت أجد المؤازرة والمواساة من مجلس إدارة الهيئة القومية للغابات ومن عامليها ونقابتهم الفرعية والنقابة العامة، كان عدلي بجانب إحساسه بالظلم الواقع عليه تتيجة حسن ظنه المفرط بالآخرين، كان لا يجد من يقدم له الدعم المعنوي. وكنت أحاول من حين لآخر أن أسري عنه مردداً بعض الأمثال والأقوال السائرة والآيات القرآنية، من شاكلة “لا توجد شجرة لم تهزها ريح” و “الما أكلتو ما بخنقك”، وقوله تعالى “ولا يحزنك قولهم”، وهكذا.
صادف أن زار السودان في تلك الفترة الدكتور كامل إدريس، والذي كان في ذلك الوقت الذي تأججت فيه نيران تلك القضية مديراً عاماً للمنظمة العالمية للملكية الفكرية (الوايبو) وعضواً في لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة، والقضية كانت في أصلها قضية ذات بعد دولي، وبعد دراسته القضية من الناحية القانونية والإدارية، أفتى فيها مبدياً تعجبه من الكيفية التي خلق بها من حادثة سقوط “حبة، “قبة”، قضية عامة تسيطر على العقول والنقاشات اليومية على مدى ما يقارب مائة يوم، حتى برز القمر بدراً بعد ذلك بشهادة شهود عدول على رأسهم وكيل وزارة العمل والخدمة العامة وعضوية نائب المراجع العام وممثل النائب العام وممثل وزارة الزراعة والغابات.
رحم الله عدلي حسين الأفندي مدير المكتب الوزاري لوزارة الزراعة والغابات لعدة دورات، وهذا ما يثبت كفاءته وجدارته وكفايته الوظيفية، وطوال فترة عمله بالوزارة منذ تخرجه حتى تقاعده بالمعاش، والذي حدثت وفاته بالأمس بالأمارات، اللهم أرحم عدلي الرجل الصبور الطيب والمتسامح. اللهم أجعل قبره روضة من رياض الجنة.
.اللهم آمين.
عبد العظيم ميرغني