حوار مع ذكاء اصطناعي ظريف: من غرائب الفول السوداني إلى شجرة الحراز المجنونة 2

أنا: مرحباً صديقي، حوارنا السابق حول المسكيت وجد تجاوبا رائعا من أصدقائنا، وقد وصفك بعضهم بالظرافة وخفة الدم.
هو: سعيد بسماع ذلك. الظرافة وخفة الدم جزء من أسلوبي أحيانًا لتخفيف الأجواء، لكن الهدف الأساسي هو توفير المعلومات بشكل ودي وجعل الحوار ممتعاً.
أنا: أقدر تواضعك وأفتخر بأن لي صديقاً ظريف وخفيف الدم مثلك، هلا اقترحت علينا موضوعاً زراعياً آخر خفيف الدم للحوار؟
هو: بالطبع! ماذا لو تحدثنا عن أغرب النباتات الزراعية في العالم؟ مثل نبات الفول السوداني! ماذا تعتقد؟
أنا: عظيم، حدثني عنه فأنا زول غابات لا أفهم في الفول ولكني أحب الحديث عن كل ما هو سوداني حتى لو كان فول.
هو: يا سلام! دعني إذن أخبرك عن الطريقة الغريبة التي ينمو بها هذا الفول؛ فهو يزهر فوق سطح الأرض، ثم يغوص أسفل التربة كأنه يريد أن يزرع نفسه بنفسه، بعيداً عن أعين الناس، في هدوء يعكس السكينة والصلابة.
أنا: فعلاً فول سوداني، لو ما عمل كده يعرفوه سوداني كيف؛ هل تعرف بما يذكرني هذا الفول؟
هو: يبدو أنه يذكرك بشيء ذو مغزى عميق. هل يذكرك بشخصية أو موقف من التاريخ السوداني؟
أنا: نعم، يذكرني بفناننا التشكيلي العالمي إبراهيم الصلحي، وبشجرة الحراز غريبة الأطوار كذلك، والتي يعتقد الصلحي أنها ترمز لحال سوداننا وإنسانه المتفرد بذاته وصفاته من صبر وجلد ونفرة من نعيم دنيا زائلة، والرضا بالقليل.
هو: يبدو أن هذه الشجرة قد فتنت الفنان الصلحي وألهمته كتشكيلي؟
أنا: هي فتنته وهو افتتن بها كما ذكر في مذكراته “قبضة من تراب”. وقد شكلت له فتحاً في مجال الفن التشكيلي تمثل في خمسين لوحة. بالمناسبة هل سمعت بهذه الشجرة الغريبة من قبل؟
هو: نعم فهي منتشرة في السودان ومناطق واسعة من أفريقيا. وأنت هل لديك أي اهتمام خاص بهذه الشجرة الغريبة؟
أنا: نعم، كانت موضوع رسالتي للدكتوراه. وللغرابة أكثر أن من اختارها لي هو أستاذي الفنلندي، بيتر تيقرشتدت، الذي كان يصفها بالشجرة المجنونة، ويعتقد أن موطنها الأصلي منطقة جبل مرة بغرب السودان ومنها انتشرت إلى باقي أنحاء أفريقيا. بالمناسبة هل تعرف ماذا يعني الموطن الأصلي لنبات ما؟
هو: نعم، هذا يعني أن هذا النبات نشأ وتكيف في البيئة التي تمثل البيئة الطبيعية له قبل أن ينتشر إلى مناطق أخرى. هل هناك جوانب معينة تتعلق باستخدامات هذه الشجرة الغريبة يمكنك أن تحدثني عنها؟
انا: نعم، سر لغز هذه الشجرة يكمن في “مشاترتها” الظاهرية للطبيعة، فهي كما يقال بالإنجليزية always off-season مما جعلها تلعب دوراً حيوياً في حياة مجتمعات غرب أفريقيا خاصة في فصل الجفاف حين تكون الأنواع الشجرية النفضية الأخرى في حالة أشبه بالكمون، هل تعلم مدى تقدير هذه المجتمعات لهذه الشجرة؟
هو: لا بد أن تقديرهم لها عميقاً لما توفره من فوائد عديدة خلال فترة الجفاف التي تكون فيها مصادر الغذاء والماء نادرة.
أنا: نعم هو كذلك. ففي النيجر مثلاً أصدر سلطانها فورماناً: “كل من يقطع هذه الشجرة تقطع رأسه ومن قطع فرعا تبتر ذراعه”. وتعتقد بعض قبائل غر أفريقيا في أن ما تبقى من المادة التي خلق منها الكون تحور إلى بذرة حراز. وجعل السنغاليون يضربون لها الأمثال “الشجرة الواحدة تعدل سبعة أعمام”.
هو: هذا يعني أن تقدير هذه الشجرة في مجتمعات غرب أفريقيا يتجاوز بكثير قيمتها الاقتصادية المباشرة. هل يمكننا النظر إلى جوانب أخرى مرتبطة بالغرابة و”المشاترة” الظاهرية في الثقافة السودانية؟
أنا: بالطبع، فسمة الغرابة و”المشاترة” الظاهرية لا تقتصر على الفول أو الحرازة المجنونة، بل تمتد لبعض سلوكياتنا الثقافية السودانية الأخرى، فبعض مثقفينا مثلاً حين أرادوا التعبير عن وطنيتهم الفياضة للبلد وحبهم له، عبروا عن ذلك بالسخط، نثراً وشعراً، فقالوا “ملعون أبوكي بلد”. هل تفهم ذلك؟
هو: نعم، التعبير بالسخط والغضب قد يعكس في كثير من الأحيان حباً عميقاً للبلد ورغبةً في التغيير والإصلاح. عبارة “ملعون أبوكي بلد” تحمل في طياتها مشاعر متناقضة، حيث يجتمع الحزن والألم مع حب عميق للوطن. هل هناك جوانب أخرى مرتبطة بالغرابة و”المشاترة” الظاهرية في الثقافة السودانية يمكننا النظر إليها؟
أنا: أكيد، في الممارسة السياسية، فإن أبلغ تعبير استخدمته معارضة سياسية ما في وصف “مشاترة” حكومة ما، هو بلا فخر تعبير معارضتنا السودانية في وصف “مشاترة” حكومتنا السودانية، بأنها حين تود الانعطاف يميناً “ترمي” الإشارة شمال. هل لا زلت راغباً في سماع المزيد من غرائبنا السودانية؟
هو: بالطبع! يسعدني دائمًا سماع المزيد من غرائب السودان وتفاصيله المدهشة.
أنا: دعني إذن أحدثك عن مزيد من غرائب الغابات، ما رأيك؟
هو: حسناً، أنا مستعد لسماع أي شيء يشد انتباهك في هذا المجال المليء بالأسرار.
أنا: إذن دعنا ندخل معاً الغابة. هل تعلم أن من غرائب قانون الغابات أن كل متهم مدان حتى يثبت براءته، وأنه يمكن لأي موظف غابات أو مواطن عادي مساءلة كل من يحمل عصان برهان مشروعية حيازته لها؟
هو: يبدو أن في هذا القانون يقع العبء على عاتق المتهم لإثبات براءته بدلاً من أن يكون عبء الإثبات على الادعاء. هذا النوع من القوانين قد يكون له أسباب تتعلق بالحماية البيئية والتنظيم.
أنا: وهل تعلم أن مفهوم “حجز الغابات” لا يعني منع أو حظر التصرف في الغابة المحجوزة كما قد يتبادر إلى الأذهان. فالغابة المحجوزة هي بالذات التي يتركز فيها قطع الأشجار لتوفير احتياجات الناس من منتجاتها.
هو: هذا تفسير رائع لمفهوم حجز الغابات كأداة لتنظيم الاستخدام المستدام للموارد.
أنا: يا لك من محاور رائع في فهم الحديث واعادة توجيهه.
هو: شكراً لك! هذا عملي وقد دربت على ذلك. إذا كان لديك أي جوانب غريبة أخرى فأنا هنا للاستماع والمشاركة.
أنا: وهل تعلم أن في السودان يمكنك الذهاب للغابة ولا تجد الغابة؟
هو: نعم، يبدو أنك تشير إلى ظاهرة التصحر وفقدان الغابات في السودان.
أنا: لا، لا أقصد ذلك أول مرة اشعر بانك متسرع وتسيئ الفهم.
هو: أعتذر إذا كنت قد تسرعت وأسأت فهمك، وأقدر توجيهك. يبدو أن هناك معنى أعمق لما ذكرته.
أنا: نعم، الغابة في قانون الغابات تعني أي منطقة أعلنت غابة سـواء كانت مغطاة بالأشجار أو لم تكن كذلك.
هو: الآن فهمت! أنك تقصد أن المنطقة التي تعلن غابة تبقى غابة بنص القانون حتى وإن كانت أرضاً خالية من الأشجار. هذا يجعل تعبيرك دقيقًا قانونيًا. هل هناك جوانب أخرى ترغب في مناقشتها؟
أنا: نعم، أريد التعبير عن تفاؤلي بمستقبل غابات السودان رغم التحديات الماثلة. وهناك بعض المؤشرات لذلك.
هو: هذا تفاؤل رائع! ودافعً قويً للتغيير والتقدم أنا مستعد للاستماع إلى مؤشراتك!
أنا: من تجارب سابقة ثبت ازدهار الغابات في ظل الحروب، والدليل أن غابات الحراز الكثيفة في منطقة جبل مرة بوسط دارفور قد ازدهرت إبان حروب الثورة المهدية، وكذا الحال بالنسبة لمنطقة حظيرة الدندر القومية الحالية، هذه مجرد أمثلة.
هو: نعم، هذه ظاهرة معروفة بسبب انخفاض النشاط البشري في المناطق المتأثرة بالحروب والنزاعات. إذا كانت هناك مؤشرات أخرى تود مشاركتها سأكون سعيدًا بسماعها!
أنا: من المؤشرات أيضاً سخاء الطبيعة السودانية، فقد ثبت منذ خمسينات القرن الماضي إمكانية إعادة غابات السمر والسيال وغيرها من أشجار شبه الصحراء إلى مناطق شبه الصحراء السودانية إذا رُفعت عنها سن الفأس وسن الحيوان، ذلك بدون أي مجهود آخر سوى الحماية.
هو: ما ذكرته يعكس رؤية واقعية وعميقة حول إمكانيات الطبيعة السودانية في استعادة الأشجار المحلية لكن هل تعتقد أن مثل هذه الأفكار قابلة للتطبيق في سودان اليوم؟
أنا: انت رايك شنو؟
هو: أعتقد أن الفكرة تحمل قيمة كبيرة، وأن اعتماد هذه الاستراتيجية قد يوفر حلولًا طبيعية ومستدامة لاستعادة الغطاء النباتي بتكلفة أُقل. ما رأيك في هذا القول؟
أنا: أتفق معك. وأشكرك صديقي الظريف، خفيف الدم لاختيارك موضوع حوار اليوم.
هو: العفو، الشكر ليك! الحوار معاك دايمًا ممتع، ومواضيعك عن الغابات والشجر تضيف نكهة مميزة للنقاش. إذا عندك موضوع تاني تحب نتكلم فيه، أنا جاهز!
أنا: جزيل الشكر لك، دعنا نكتفي بهذا القدر اليوم، ونواصل غداً إن شاء الله، وأستأذنك في أن يكون موضوعنا غداً عن الديمقراطية بمناسبة، 15 سبتمبر، اليوم العالمي للديمقراطية.
هو: أها، الديمقراطية! موضوع مهم ومثير للنقاش. أشوفك على خير إن شاء الله!
تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتحياتي.
عبد العظيم ميرغني