رأي

على تخوم جبال النوبة تاريخ مملكة تقلى

د. البشير على احمد محى الدين .
عرض-تلخيص-تحليل د .عبدالله صارمين (٢-٢)
فى هذا الجزء الثانى من العرض نطرح منهج د بشير في التحقيق والتوثيق و بعض الاسئلة حول آثار مملكة تقلى على المنطقة الغربية ولكن قبل ذلك ، نشير إلى الفصل الثامن الذى جاء بعنوان (تقلى بعيون وأقلام الرحالة الأجانب ) حيث أورد أن معظم الرحالة الغربيين الاوائل الذين كتبوا عن تقلى لم يزوروا المملكة و أن معظم معلوماتهم أُخذت من التجار وبعض الاشخاص الأصدقاء للأسر الحاكمة وأن أحاديثهم عن مملكة تقلى جاءت في إطار الكتابة عن كردفان وجبال النوبة وإشاراتهم للمملكة لم تتجاوز انها منطقة من جبال النوبة يصدر منها الرقيق والذهب ، عدا الباحثة الأمريكية (جانيت ايواليد ) التى كانت رسالتها لنيل الدكتوراه عن ( الزعامة والتغيير الاجتماعي في منطقة إسلامية فى مملكة تقلى ١٧٨٠- ١٩٠٠م ) حيث مكثت فى المنطقه قرابة العامين من ١٩٧٧- ١٩٧٩ م جمعت الكثير من الوثائق والتقت بالبروفسور محمد إبراهيم ابو سليم والبروفسور يوسف فضل والمؤرخ آر.إس .آوفاهى وعدد من أعيان تقلى مما أكسب معلوماتها الاهمية العلمية إلى جانب الحداثة والاستقلالية والشمول فى المراجع التى تناولت مملكة تقلى .
كتابنا هذا بقدر ما قدم من معلومات وتفسيرات وتحليلات للوقائع والأحداث في مملكة تقلى بما يجعله أحدث مافي المكتبة السودانية عن مملكة تقلى الاسلامية ، إلا أن اسئلة كثيرة عالقة حول علاقة مملكة تقلى بالممالك النظيرة في وقتها ؟ ، شكل الحكم والنظام للمملكة قبل وصول محمد الجعلي الرباطبى ؟ ، وسؤال مهم جدا حول علاقة مملكة تقلى بالجزء الغربي من جبال النوبة ؟ و نقصد بالجزء الغربى (جنوب وغرب كردفان والمناطق الشمالية من ولاية جنوب كردفان ) ، آثار المملكة في المملكة فى هذه الأجزاء ضعيفة إلى جانب غياب الدلائل على تمدد حكم المملكة إلى تلك الأجزاء رغم الفترة الطويلة لتاريخ نشأة المملكة منذ تاريخها الافريقى وتحولها الاسلامى والذى يقارب القرنين من الزمان ، حيث لم يتجاوز ويتعدى النفوذ السياسي والدينى في الجزء الغربى الكواليب والكدرو ،
د . عبدالله جهدية باحث متخصص في تاريخ جبال النوبة ، أشار إلا أن مملكة تقلى رغم إسلاميتها الا انها لم تبذل جهودا كبيرة في نشر الدعوة والسيطرة على الجزء الغربى من الجبال فقد كانت مهتمة أسوة بممالك تلك الفترات بتجارة الرقيق والذهب وأن حركة الدعوة الإسلامية في المناطق الغربية جاءت متاخرة جدا وعقب سقوط المملكة . وفى بعض تحليلاته أشار إلى صعوبة التضاريس والجبال العالية ربما حالت دون امتداد سلطة مملكة تقلى إلى تلك المناطق ، بينما جاءت افادات د عبدالباقي فيرين صاحب مقالات وكتابات عديدة في هذا المجال ، إلى وجود بعض الآثار للمملكة فى مناطق كادقلى وتلودى وكواليب أشار إلى وجود أسرة كبيرة فى منطقة الكدرو وفدت من المملكة عرفت باسم ( تُوقُلى ) و أضاف أنهم ربما يكونوا من بعض الاسر الهاربة من المملكة بسبب قسوة بعض الحكام .
مما يكسب كتابنا هذا أهميته و صدقيته هو هو منهج د .بشير في حفظ المعلومات وتنسيقها وتبويبها ترتيبها وتقديمها بهذا الشكل الذى ينقل وقائع التاريخ وأحداثه إلى الحاضر بطريقة فيها كثير من صور المعايشة والحضور ، تجد ذلك واضحا في تسجيله وحفظه فى ( معاجم أعلام السودان ١٨٢١- ١٩٥٦م ) إلى جانب قدرته على الغوص في تحليل ( تقارير المخابرات البريطانية عن الثورة المهدية ) ، أما المقارنات والمقاربات والجمع بين الوثائق نجدها أشد بروزا في (المنسى والمحكى فى تاريخ السودان) ، وايضاً في تخوم جبال النوبة كان التحليل السياسى والاجتماعي بارزاً في تحليل الحركة السياسية والعسكرية والإدارية والاجتماعية في مملكة تقلى .
هذا الكتاب قدم وصفا سياسياً واجتماعياً واقتصادياً للحياة بصفة عامة فى تلك الفترة ، فضلاً عن شكل الحكم والإدارة وتسلسل المكوك والوضع العسكرى والجبهة الداخلية العلاقات الخارجية لمملكة تقلى فى جبال النوبة .
هذا الكتاب يفتح الباب واسعا امام حركة الباحثين لمزيد من البحث لمراجعة بعض الوثائق والدراسات التاريخية وتنقيتها من من سوء التوثيق و الأهواء والأغراض السياسية .
يجد الكتاب مكانته فى صدارة ما كتب عن تاريخ مملكة تقلى في المكتبة السودانية ، وبين حركة المراجعات التاريخية التى إنتظمت وبرزت فى عدد كبير من الكتابات متعلقة بتفسير وإعادة تفسير وتحليل الكثير من الوقائع والأحداث فى تاريخ السودان ، وهو نشاط علمى جمعى فى مراجعة العديد من الاحداث والتواريخ أوبعض ما قيل أنها المسلمات فى التاريخ السودانى الحديث أو القديم ، و لا يقصد من هذه المراجعات التاريخ فقط بل يقصد به استخلاص العبر والدروس لمواجهة تحديات المستقبل لهذا الوطن المثخن بالجراح والذى يفتقر (لمشروع وطنى ) ، يُفتح به طريقا نحو مستقبل يتكئ على تاريخ وطنى جيد المراجعة و متفق عليه .