أفكار “حلال”

• في كتابه “بين الكتب والناس”، يحدثنا عملاق الأدب العربي العقاد عن عالمين كبيرين من علماء النبات والطبيعة، هندي يؤمن بوحدة الحياة وسريان الروح على درجات في أجزاء الوجود. والآخر أمريكي يقرن العلم بالتصوف. وكلا العالمين يحاول أن يتخذ من تجربة (روح) النبات نماذج لتربية روح الإنسان.
• استخدم العالم الهندي آلات رصد تسجل تجاربه على (أعصاب) الشجر، ليبرهن أنها تنفعل بالمخدرات كما تنفعل بالصدمات والإساءات، وأن القوة الحيوية هي التي تعمل في نقل الغذاء بين أجزاء الشجرة وليست القوة الآلية وحدها. أما العالم الأمريكي الذي برع في صناعة تطعيم النباتات وتحويل الفصائل فقد ألف رسالة في التربية والتهذيب يطبق فيها تجاربه النباتية على النفس الإنسانية، ويبين للآباء والأمهات كيف يتأتى اقتلاع الأشواك من النفس كما تأتى اقتلاع الأشواك من الأشجار.
• وأورد العقاد عن العالم الأمريكي قوله بأن تهذيب النبات مسألة محبة وإقناع وليست مسألة تجربة علمية وبراعة صناعية وحسب. وتحدث العقاد عن شجرة الصبار التي نجح العالم الأمريكي في تجريدها من أشواكها، بقوله إن سلاح الشوك فضول لا حاجة إليه، وأن الحماية مكفولة له بغير ذلك السلاح.
• الحقيقة كل الاختراعات والاكتشافات المعاشة حالياً بدأت بأفكار تبدو خيالية في البداية، فما المانع في إقناع الصبار بتوقيع معاهدة نزع سلاحه والتلاعب بأعصاب الشجر لرفع روحه الحيوية لنقل الماء والغذاء بين أجزاء الشجر.
• مما يروى عن الزعيم الخالد إسماعيل الأزهري أنه حينما تولى حكم البلاد في فجر الاستقلال، اقترح شجرة الدليب الجميلة وحيدة الساق الباسقة السامقة حلوة الثمار، اقترحها شعاراً لجمهورية السودان الوليدة، لكن في نهاية الأمر وقع الاختيار على الخرتيت، وحيد القرن، واستبعدت شجرة الدليب بدعوى أنها “ترمي” بظلها بعيد.
بالله عليكم هل رأيتم أصدق من شجرة الدليب عنواناً لنا ولسوداننا، ونحن “خيرنا لغيرنا”، سواء على مستوى الدولة، وربنا يطرى الدكتور البيوني بالخير الذي كان يقول أنا ما بفسر وأنتو ما بتقصروا؛ أو على مستوى الأفراد، وأنا منهم مش سوداني، الذين تجدهم في كافة “قروبات” التواصل الاجتماعي، عدا القلة منها، يخوضون في ما ليس من اختصاصهم ويهجرون ما هو من اختصاصهم وفيه مخزون خبراتهم التراكمية وهم الخبراء المؤهلون. أفليس من المنطقي المناداة بشجرة الدليب شعاراً لجمهورية سودان ما بعد الحرب بديلا لصقر الجديان.
• يقال من علامات الكبر وتقدم السن تنامي الرغبة في الميل للعيش في عالم الذكريات على حساب العيش في عالم الأحلام، ومن علامات ميلي لعالم الذكريات ما حدث بالأمس وأنا أشاهد مقطع فيديو يتحدث فيه الدكتور عماد فوزي شعيبي عن كيف يجمع المتناهي اللا متناهي، فقال إن جذر 2 (√2) قد خلق مشكلة لفيثاغورث حين صاغ نظريته التي تقول لو أن لديك مربع طول ضلعه (1)، يكون قطره جذر 2 (√2) لأن نظريته تقول إن مربع الضلع الوتر يساوي مجموع مربعي الضلعين الآخرين القائمين. وتتلخص مشكلة فيثاغورس في المفارقة أن قيمة جذر 2 (√2) تساوي (…1.4142135.) يتكرر دون توقف إلى ما لا نهاية، فكيف إذن يكون وتر محدود الطول، له بداية وله نهاية، وقيمته لا نهائية. السؤال كيف يمكن للمتناهي (الوتر) أن يحتوي على الا متناهي؟ هذا التصور له أيضاً مرجعية في عالم التصوف ليس هذا مجالها.
• ما ذكرنيه له هذا الذي جرى على لسان الدكتور عماد فوزي شعيبي أن أستاذ حساب المثلثات بعد أن غطى التختة أو السبورة بالمعادلات التي تحتوي على الرموز والاختصارات من شاكلة ظتا وظا، وقتا وقا، وجتا وجا، وفتج باب الاستيضاحات والسؤال، سأله زميل: ما هي الفائدة من كل هذه الرموز والمعدلات، ما هي فائدتها في الحياة؟ كانت ردة فعل الأستاذ أن أشار إلى الباب وشفع إشارته، بأطلع بره.
• الأستاذ بالطبع معذور، والطالب السائل كذلك معذور، ونحن زملائه كذلك معذورين، ولكن يحمد لزميلنا السائل تمتعه بفضيلة الشجاعة الأدبية والجرأة على السؤال، كلنا لم نكن نعلم إجابة لسؤاله، لأن مناهجنا التعليمية لا تشتمل على مقررات “فلسفة العلوم”. وحينما انتقلت للدراسة في فنلندا (وهذه علامة اخرى من علامات الكبر بتذكر الملضي البعيد) كان كورس “فلسفة العلوم” أول كورسات الدراسة، وكان يمثل 10 في مائة من مجموع النقاط المقررة على طلاب الدراسات العليا الحصول عليها.
• تقول المصادر العلمية أن أي مسألة رياضيات أو غير رياضيات تتمكن من حلها تحدث تغييرات مهمة داخل المخ، بما في ذلك خلق اتصالات جديدة بين الخلايا العصبية (تُسمى المرونة العصبية). وكلما تدربت أكثر وتعلمت أكثر من ظتا وجتا وقتا زادت قوة هذه الاتصالات. مما يجعلك أفضل في ممارسة أي شيء تتعلمه سواء لعب كرة القدم أو القراءة أو الرسم.
ختاما، تنويه لأصدقائي وأصحابي الذين حذروني من التعامل مع برامج الذكاء الصناعي، أن الأفكار المضمنة في هذا المقال خالية تماماً من أي أفكار صناعية، “أفكار حلال”.
تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتحياتي.
عبد العظيم ميرغني