موقف السودان في مفاوضات السلام: استراتيجيات للحفاظ على السيادة وتحقيق الاستقرار

د. حامد التجانى على
معهد الدوحة للدراسات العليا
الدوحة – 17 أغسطس 2024م
نعم، نقولها وبكل ثقة: إنّ تجارب السودان وتجارب الدول من حولنا أثبتت أضرار وسوءات التدخلات الأجنبية، وإن رسم أي صورة وردية وسردية “رغائبية” للتدخل الأجنبي هي محض خداع أو جهل، لذلك، لن يقبل الشعب السوداني بالتدخل الأجنبي أبدا، إنه ليس مفيدا للسودان ومستقبله البتة. وفي السياق نستعرض دليلا واحدا، مثلا المنظمات الدولية تجمع التبرعات وتنفق 30٪ من المبالغ المحصّلة والباقي لبنود المرتبات والتشغيل. كما إن هنالك تعهدات بقيمة 2.1 بليون دولار، إلا أن التحصيل الفعلي لن يزيد عن 200 مليون دولار فقط. وإضافة الى ذلك، فإن الصرف على المرتبات واللوجستيات لن يقل عن 140 مليون دولار، وما تبقى من المبالغ (60 مليون دولار) هي التي تصل للمواطن، وذلك كله بعد الصرخات والحملات الإعلامية المغلفة بالنغمات الإنسانية وما شابهها.
فليكن واضحا، إن التدخل الدولي سوف يقوض ما تبقى من مؤسسات الدولة وبنية المجتمع، لكنه في ذات الوقت يغذي ويضاعف جيوش المنتفعين من أدوات وربائب المنظمات من هذه الأموال، وذلك بهدف تنفيذ خطة تفكيك وتفتيت البلاد. لا شك، هنالك مشكلة حقيقية تتمثل في توافر المواد الغذائية، لكن حتى في حال توفرها، فإنّ هنالك صعوبة في التوزيع بسبب انتشار عصابات المليشيا ونهبها للمواطن ومصادرة شحنات المساعدات الإنسانية؛ الأمر الذي أحدث ازمة إنسانية فى المدن المحاصرة مثل الفاشر ومدني وبابونوسة وغيرها. لذلك يجب نزع الغطاء الدبلوماسي والسياسي عن الدعم السريع، وذلك كخطوة أولية لمحاصرة هذه المليشيا المجرمة العابرة للدول بحكم شبكة وكلاء المصالح المتعددين.
ومن المهم التنويه إلى أن ذهاب الوفد إلى جدة وطرح شروطه قد مثّل مناورة ومقاربة ذكية في سياق خضم إقليمي ودولي ضاغط، الأمر الذي ساعد في أن يكون زمام المبادرة لدى الحكومة. ويجدر بي أنّ أذكر في هذا السياق بأنّ رئيس الوفد الحكومي، الوزير أبو نمّو، الذي أعرفه جيدا، يعتبر من الذين يجيدون فن التفاوض وأعتبره من أفضل من يقود مثل هذه الوفود، فهو لديه معلومات وافية حول المليشيا، وأهدافها، واحتياجاتها ووكلائها. ومن المهم أن نذكر أن لقاءات الحكومة مع المليشيا في الدورات السابقة قد تميزت بالقوة وعدم التردد، ومن غير خشية من الضغوط أو الابتزازات الإقليمية أو الدولية، مما أنتج اتفاق جدة الواجب التنفيذ والتطبيق بلا مراوغة. كما أن المتابع لأداء الحكومة في التعاطي مع الأزمة، يجد أنّ الوفد الحكومي قد قدم عرضًا قويا بما يكفي لخلق مساحة وأفقا للتفاوض. في المقابل، فإن أغلب ردود المليشيا كانت تعتمد على إستخدام الذكاء الاصطناعي من الغرف الإلكترونية، وأغلبها تركز على العلاقات العامة لصناعة سردية وصورة زائفة بأن المليشيا المجرمة ترغب في السلام وتتجاوب مع الجهود الإقليمية والدوليةـ وذلك لتشكيل مزيد من الضغط والابتزاز ضد الحكومة. لذلك، إن منصات الذكاء الاصطناعي التي تدير المليشيا ترد أوتوماتيكيا على أي مبادرة، ولا تنتظر أو تتأخر بغية الدراسة والتحليل والتشاور قبل اتخاذ القرار بالترحيب أو قبول أي مبادرة.
إن أفضل الطرق للتفاوض هو تقسيم القضايا إلى أجزاء، وتقديم حلول مختلفة لكل جزء وتوجيه الحوار نحو القضايا الإنسانية، خاصة قضايا النزوح، ومحاصرة المدن، والاعتداءات على المواطنين العزّل، وذلك لمعرفة موقف الطرف الآخر، الأمر الذي يمنح ميزة في التفاوض. صحيح، إن الوسيط أو الميسر الأمريكي يتصف بالمرونة ولكن لن يعطي المفاوض الحكومي كل شيء؛ فهو يطرح القضايا وفقا لمنهج الجزرة والعصا، ولكنه ينتظر رد فعل الحكومة، فسوف يعود الوفد الأمريكي بمقترحات جديدة؛ خاصةً أن المبعوث الأمريكي ليس فى عجلة لإغلاق هذا الملف؛ فهو مجرد موظف ويدرك أبعاد وحجم تأثير الجيش على المشهد. كما أنّ المبعوث هو سياسي سابق يريد النجاح فى بعثته وعليه سيكون مرنا لأقصى الدرجات مع قليل من الصبر. كما أن السودان ليس فى أجندة الناخب الأمريكي أو السياسة الداخلية الأمريكية؛ أما أوروبا فقد استنزفتها حرب أوكرانيا فخياراتهم محدودة. وعليه، فإن المجتمع الدولي ما عاد له بريق وقوة كما يتخيل البعض. وبالتالي، على الحكومة التمسك بشروطها والمناورة من دون تعجل أو هرولة لأن ظهرها مسنود بشعبها.
فالتمسك بشرط إخلاء المنازل والأعيان المدنية، ثم إخراج مليشيات الدعم السريع من الحياة السياسية لا يمكن التنازل عنه، لأن التنازل عن هذه الالتزامات سيعيد الحرب مرة أخرى، أو على أقل تقدير سيقودنا لأن تكون لدينا دولة “مأزومة “يديرها الاَخرون بالوكالة. واضح أنّ هنالك محاولات لنفخ الروح في مليشيات الدعم السريع، عبر وقف إطلاق النار، أو خلافه، إلا أن الأهم هو أنه لا بد من كسر شوكة مليشيا الجنجويد، وهذا أمر في متناول اليد، واليوم الشعب السوداني، بصموده ووحدته، يقترب من الهدف رغم المجازر والإبادة. المبادرة الآن فى يد الحكومة السودانية وهذا هو الأهم! يجب ألا تنطلي علينا صرخة المجاعة وفبركتها كخبر إعلامي عاجل، فهي حيلة للولوج إلى القضايا السياسية لمصلحة الكفيل بمخالب المليشيا وأعوانها. أما في ما يخص ” مجموعة تقدم” فهي الجناح السياسي للدعم السريع؛ يمكن أن تجلس نيابة عنها وتقدم طرحها من دون موارة وتستر خلف المواقف الرمادية التي دأبت عليها، وهنا يُطلب من الكفيل تبديل الفرس بأخرى، لذلك، ما يفضي إليه التفاوض بين مجموعة تقدم والحكومة ملزم لجناحها العسكري. فإن أنجزت هذه يمكن أن يعيد بعض من رأسمالها السياسي الذي تآكل، سوى ذلك لن يستطيعوا أن يكونوا جزءًا من المجتمع السياسي الوطني.
ربما يجول بخواطرنا كيف نفسر أهمية التشبث بمطالب الحكومة السودانية المعلنة، رغم أنها قد تطيل أمد الحرب؟ ولماذا التنازل عنها خطير؟ وكيف سيضر التنازل عنها بالبلاد؟ الأهم فى النقاش هو تشكيل مواقف وطنية دون التوجس من مخاطر التدخل الدولي. ويتطلب ذلك إجراءات وتدابير على المستوى الوطني والإقليمي لإسراع وتيرة الحل على النحو التالي:
انتهاج دبلوماسية نشطة: يمكن للسودان الانخراط في دبلوماسية نشطة لعرض مخاوفه ومطالبه بوضوح. يتضمن ذلك تكوين تحالفات مع دول أفريقية وغير أفريقية تشارك السودان في مخاوفه. يمكن لجبهة موحدة من الدول التي تشترك في مخاوف السودان بشأن السيادة والتدخل الخارجي أن تعزز من موقف السودان التفاوضي؛ فكثير من دول الجوار رغم تباين المواقف تعيش ظروف السودان واضطراباتها. يمكن إجراء لقاءات وتشجيع الدبلوماسية الشعبية لتمتين الأوشاج مع تشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السوادن ومصر باعتبارها دولًا تتأثر بانعكسات الحرب في السودان وعلى السلم والأمن الإقليمى. وللتعاطي مع المجتمع الدولى وحماية السيادة الوطنية.
الاستناد إلى القانون الدولي: التأكيد على أهمية السيادة الوطنية كما هو منصوص عليه في القانون الدولي. يمكن للسودان أن يستند إلى مبادئ عدم التدخل والحق فى تقرير مصيرها بما يخص مشاكلها الداخلية من دون الوصايا. تقديم النزاع على أنها هَم سوداني وللدولة حقها فى الدفاع عن مواطنيها من هجوم منظومة إجرامية عابرة للدول؛ تمارس الإرهاب وتحاصر المدن وتنهب وتسرق. هذه السردية وبشكل قانوني يمكن أن تضفي الشرعية على موقف السودان.
اتخاذ إجراءات إنسانية استباقية: يمكن للسودان أن يعرض إنشاء آليات خاصة به لتوفير الوصول الإنساني تتماشى مع المعايير الدولية، ولكن تحت سيطرة الحكومة السودانية. يمكن أن يُظهر هذا التزامًا بالتخفيف من الأزمة الإنسانية مع الحفاظ على السيادة. مثلا مدخل أدرى وطينة على الحدود التشادية يمكن فتحه مع وضع آليات ومراقبين للتأكد من وصول الإغاثة رغم شحها إلى المواطنين واللاجئين في دول الجوار من دون استخدامها كحيلة من الكفلاء لتأجيج الصراع وتقديم الدعم اللوجستي.
الدفاع عن أن هذا الموقف لن يطيل أمد الحرب:
الالتزام بالسلام: يجب أن يبرز السودان التزامه بالسلام والاستقرار. يمكن تأطير موقف الحكومة على أنه خطوة ضرورية لضمان احترام جميع الأطراف للاتفاقيات الموقّعة فى جدة، وما حوته من بنود أهمها وقف إطلاق النار والخروج من منازل المواطنين وأعيان المدينة. يمكن تقديم الحجة بأن المواقف السابقة من المبعوثين والرباعية كانت إما منحازة أو ضعيفة أو غامضة، مما شجع قوات الدعم السريع ووفر لها غطاء دبلوماسي، الأمر الذي أدى إلى مزيد من الصراع انتهى به الأمر لارتكاب جرائم حرب فى كل ربوع البلاد.
شروط وقف إطلاق النار: الدفاع عن اتفاق جدة لوقف إطلاق النار يتضمن آليات قوية للمراقبة والتنفيذ. يمكن أن يضمن ذلك أن تلتزم جميع الأطراف بوقف إطلاق النار، مما يمنع المليشيا من استغلال وقف إطلاق النار كوسيلة لإعادة التنظيم وإطالة الصراع. وعلى الدعم السريع تجميع قواته في مراكز محددة خارج المدن حماية للمواطنين وتشجيعا للعودة. الحرب الآن ليس بين الجيش والدعم السريع بل بين مليشيا إرهابية والشعب السوداني.
شمولية المفاوضات: يمكن للسودان أن يقترح عملية سلام شاملة تشمل جميع أصحاب المصلحة الرئيسيين، باستثناء قيادات الدعم السريع وخاصة من ارتكبوا جرائم الحرب، لبناء توافق أوسع حول السلام. نقترح نقل المفاوضات إلى الداخل أو لدولة صديقة لم تتدخل فى الشأن السوداني. يمكن أن تقلل هذه الشمولية من احتمالية إطالة أمد الصراع. لا بد أن يفضي التفاوض إلى تحقيق العدالة ومحاكمة من ارتكبوا جرائم الحرب وإعادة الاعتبار للشعب السوداني بما لحقه من أذى. وحرمان من تسببوا في هذا الدمار من الساسة من المشاركة فى الحياة السياسية.
المخاطر المحتملة للاستسلام للضغوط الدولية
تآكل السيادة: إذا استسلمت الحكومة للضغوط الخارجية دون حماية مصالحها الوطنية، فقد يؤدي ذلك إلى سابقة تضعف سيادة السودان. يمكن أن يؤدي ذلك إلى زيادة النفوذ الخارجي في الشؤون الداخلية في المستقبل. وللسودان دروس وعبر من اتفاقيات تمت من دون إرادة السودانين انتهت إلى تشظي الوطن والاحتراب. خاصة أن هنالك نخب استمرت فى حب الوطن مقرونة بعشق السلطة على حساب عشق سيادة الوطن. فالذين غادروا السلطة هاهم يلهثون من سفارة لأخرى ينثرون أسرار الدولة بأثمان بخسة ويزدريهم الكفلاء. فكيف لرئيس وزراء يحل ضيفا لكفيل يقتل شعبه. سيادة السودان يجب أن تكون نصب أعيننا فى السلطة أو المعارضة. لولا هولاء الساسة لما تدخل الآخرون فى شؤون بلادنا.
تمكين المليشيا: الاستسلام للضغوط دون ضمان أن تلتزم المليشيا باتفاق جدة قد يشجعهم لمزيد من الانتهاكات، مما يؤدي إلى مزيد من النزوح وعدم الاستقرار. إذا استمرت المليشيا في احتلال منازل المواطنين وأعيان المدنية، فقد يؤدي ذلك إلى تقويض سلطة الحكومة وإطالة أمد الصراع. لا بد للحكومة من تثبيت أركان الدولة وبسط سيطرتها ليعود أهل السودان إلى بيوتهم. فكيف يستقيم أن أعود إلى منزلي ويجاورني دعّامي قاتل، أو هنالك نقطة ارتكاز للمليشيا تسأل عن هويتي. لا بد من التمسّك بشرط خروج المليشيا لتعود الشرطة ومعها الحياة إلى مدن السودان.
فقدان الدعم الداخلي: صبر الشعب السوداني لأكثر من 16 شهر على انتهاكات المليشيا وحرمانها إياههم من حقوقهم الأساسية وتجريدهم من إنسانيتهم؛ فأصبحت المعركة معركة الشعب السوداني في حياته وعزته وكرامته. على الحكومة السودانية تحمل تبعات أفعالها؛ خاصة أنها متكئة على هذا الشعب الأبي؛ إذا تم النظر إلى الحكومة على أنها تستسلم للضغوط الدولية دون حماية المصالح الوطنية، ستفقد دعم الشعب السوداني. وقد يُضعف ذلك شرعية الحكومة وقدرتها على الحكم بفعالية، وستنتظرها معارضة وربما ثورة شعبية قد تعرض البلاد إلى خطر التمزيق.
توصيات سياساتية
الانخراط في دبلوماسية موازية: في الوقت الذي تنخرط فيه الوفود مع الفاعلين الدوليين، ينبغي للسودان أيضًا العمل على تعزيز العلاقات مع القوى الإقليمية التي يمكن أن تكون بمثابة توازن ضد التأثير الغربي. قد يشمل ذلك التواصل مع دول في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، والتي قد تدعم موقف السودان بشأن السيادة وعدم التدخل.
ممرات إنسانية بضمانات: اقتراح إنشاء ممرات إنسانية تخضع للمراقبة المشتركة من قبل الحكومة السودانية والمنظمات الدولية المحايدة لمنع تهريب الأسلحة وضمان وصول المساعدات إلى المحتاجين.
التواصل الشفاف: الحفاظ على التواصل المفتوح مع كل جماهيرالشعب السوداني في الداخل والخارج، لدورها فى حشد الدعم المادي والدبلوماسي والسياسي، كما أن من الأهمية تفعيل الدبلوماسية الشعبية والتظاهر أمام سفارات الدول الداعمة للمليشيا وفق خطة وجدول محدد، والاستفادة من المنصات في الدول الأوربية وأمريكا للتأثير على صانع القرار، والضغط لتجريم المليشيا. ينبغي على الحكومة إعطاء التحديثات وتفعيل التواصل مع الشعب السوداني بانتظام حول جهودها لتحقيق السلام وضمان الوصول الدعم الإنساني، مع توضيح أن السيادة الوطنية والأمن غير قابلين للتفاوض.
الوساطة المحايدة: الدعوة إلى عملية وساطة أكثر حيادية، قد تشمل دولًا أو منظمات دولية تُعتبر محايدة من قبل الدولة السودانية ويمكن التعاطي في ذلك مع بعض دول الاتحاد الإفريقي. فإن ما تفعله المليشيا بشعب أعزل لايمكن غض الطرف عنه؛ الوساطة المحايدة يمكن أن تساعد في بناء الثقة وتسهيل مفاوضات أكثر إنتاجية. وعلى المبعوثين أن يتعظوا بمن سبقهم في عدم الحيادية، مما يعني الفشل مع الاستقالة، فتجربة فولكر والرباعية كانت السبب فى عسكرة الساسة واحتمائهم وراء من يحمل السلاح، ولولاهم لما احتمت تقدّم بالمليشيا.
إنه ومن خلال تبني نهج ثابت قائم على التوازن، يمكن للسودان أن يؤكد على مصالحه الوطنية مع إظهار التزامه بالسلام ووصول المساعدات الإنسانية، مما يقلل من خطر حدوث مزيد من الصراع، والحفاظ على سيادته في مواجهة الضغوط الدولية. كما أن معالم النصر داخليا ليست ببعيدة، وإن صمود فاشر السلطان فى وجه التتار رغم محاولاتهم الفاشلة زاد من ثقة شعبنا في هزيمة هولاء الأوباش. النصر قادم بإذن الله الواحد القهّار!
*د. حامد التجانى على*
الدوحة – 17 أغسطس 2024م