رأي

قراءة تحليلية في تحولات دول الجوار الافريقي تجاه الأزمة السودانية (١-٢)

د. عبدالله ميرغني صالح صارمين

‎اتسمت الفترة الانتقالية بالاضطراب السياسى والامني بسبب عدم توافق أطراف الفترة الانتقالية فى إدارة البلاد مما انعكس فى سياسية خارجية مضطربة وغير واضحة المعالم تجاه دول الجوار ، واتسم بعضها بالعداء ، وكثرت التدخلات الخارجية الإقليمية والدولية بحجة التوسط بين الاطراف و تقديم الحلول ، وكان الواقع يشير إلى تجاذبات داخلية واستقطابات سياسية وعسكرية ، وتربص خارجى واضح المعالم ، مهتم بتحقيق مصالحه وأجندته، و هى الحالة التى إنتهت بانقلاب مليشيا الدعم السريع وتمرده على الدولة استهدافه للمواطنين وممتلكاتهم .
‎لم يكن متوقعا أن تضطرب الاوضاع الامنية والسياسية والاقتصادية فى السودان بينما تحافظ دول الجوار الأفريقي على استقرارها السياسى والامني والاقتصادي وذلك بسبب ما يتمتع به السودان من موقع جيواسترايجى وجيوسياسي فى هذا المحيط المرتبط بغرب أفريقيا و وسطه وشرقه ، فضلا عما شهدته منطقة القرن الإفريقي و البحر الاحمر من تدافع للدول الكبري إستخدمت فيه العديد من الأدوات السياسية والاقتصادية والعسكرية لأجل تثبيت نفوذها ، ولم تتخلف بعض دول الإقليم عن هذا التدافع مما جعل المنطقة مسرحاً لحرب محتملة .
‎شهد العام الاول من الحرب السودانية ضغطاً غير مسبوق من دول الجوار الأفريقي ومنظماته على الدولة وعلى الجيش السودانى ضغطاً سياسياً وأمنياً ودبلوماسيًا حيث كانت جحافل المرتزقة من ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى ومالى والنيجر وجنوب السودان واثيوبيا تزحف نحو الخرطوم بالمئات ، و أعلنت بعض الدول عن استعدادها لإرسال قواتها لفرض السلام استنساخا لمشروع مجلس الأمن والسلم الإفريقي الفاشل قوات الحماية الإقليمية (RPF ) إبان أزمة جنوب السودان ، و أعلنت بعضها أن لا حكومة فى السودان ، وطالبت بحظر سلاح الطيران الحكومى ، وفرضت الايقاد آلية رباعية لمناقشة الاوضاع السودان غير عابئة بتحفظات الحكومة السودانية مما دفعها لتجميد عضويتها فى الايغاد ، فضلا عن التحركات والمؤتمرات واللقاءات السياسية لقادة الدعم السريع وحلفاءها السياسين فى دول الاقليم .
‎الذى يتابع المشهد السياسي لمواقف دول الجوار الأفريقي يلحظ أن هناك إعادة قراءة لهذه المواقف من هذه الدول وهى ليست تحولا كلياً عن الدعم السياسى والأمني بقدر ماهى مراجعات وجرد لحسابات الربح والخسارة ومراجعات فرضتها أوضاع داخلية لهذه الدول وبعضها تحولات في ميدان المعركة ، وأخرى دولية .
‎ماهى العوامل التى خلقت هذه المراجعات والتحولات ؟ كثيرة هى العوامل وراء هذه المراجعات والتحولات فى المواقف الأفريقية بعضها ناتج من اضطراب داخلى لهذه الدول حيث أن معظم دول الجوار تعانى من مشكلات إقتصادية وسياسية وأوضاع امنية غير مستقرة ، وزاد من تفاقم الأوضاع الداخلية حركة اللجوء إلى هذه الدول والضغط الاقتصادى ، خاصة ان بعضها دول (حبيسة ) كانت تعتمد فى وارداتها على ميناء بورتسودان ، و لم تكن تتوقع إستمرار هذه الحرب طيلة هذه المدة ، لذلك لم تكن تقديرات هذه الدول فى تداعيات الحرب وآثارها بالقدر المطلوب .
‎ عامل مهم ناتج من تغييرات كبيرة فى الموقف الداخلى الميدانى للحرب الذى يعكس فشل قوات الدعم السريع في تحقيق أهداف حركتها الانقلابية و تحولها لقوات تستهدف المواطن وممتلكاته ، بجانب تغييرات في تكتيكات الجيش السوداني أضعفت وحطمت قدرات الدعم السريع وقوتها الكبيرة .
‎ تمثل الإدانات الدولية الواسعة لسلوك قوات الدعم فى الانتهاكات الإنسانية والإبادة الجماعية والتطهر العرقى في دارفور وعمليات النهب الواسعة و الرفض الواسع لأي دور سياسي للدعم السريع إحراجاً لمواقف هذه الدول في مزيد من التورط بعد أن تم فضح تواطؤ بعض المنظمات الأفريقية و قادة دولها ، وتراجع شعار (حلول أفريقية لأزمات أفريقيا ) ، الذى تم استبداله بأموال الامارات العربية وتحركاتها حيث شكلت حضورا فى كل الفعاليات الافريقية ووقوفها امام رؤية الحكومة السودانية.
‎فضح دور دولة الإمارات العربية المتحدة على نطاق واسع في العالم فى دعم المليشيا عبر دول الجوار الإفريقي ، وفضح منصاتها الإعلامية الداعمة لنشاط المليشيا ، والذى جاء بعد قناعة الحكومة السودانية بضرورة تعرية أنشطتها و سلوكها المعادى للحكومة بشكواها فى مجلس الأمن الدولى ، وتشكيل رأى عام عالمى ضدها حيث وصفت دولة الإمارات العربية فى كثير من وسائل الإعلام الغربية أنها دولة تقف خلف الانتهاكات الإنسانية التى تقوم بها قوات الدعم السريع هذه التحركات السودانية والمواقف القوية فى رفض منح اى دور للامارات فى منصات ومنابر التفاوض عزز من الرأي العام العالمى ضدها .
‎فعالية و قوة تحركات الدولة السودانية في البحث عن حلفاء شرقا بعد فقدانها الثقة في الدول الغربية بسبب مواقفها المنحازة وقد أثمرت هذه التحركات عن ظهور قوى ودولية و إقليمية جديدة فى ساحة الأزمة مساندة للحكومة الامر الذى حقق توازناً فى عدد من محاور القتال .
‎فشلت القوى السياسية السودانية ( تقدم ) حليفة مليشيا الجنجويد فى تحسين صورتها عالميا و أفريقيا افقدها التعاطف الاقليمى .
‎تقلص وتراجع نشاط مجموعة (فاغنر) الروسية أكبر المليشيات الداعمة لقوات الدعم السريع بسبب الانقلاب الذى قادة المجموعة ضد الدولة الروسية مما دفع الحكومة لاعتقال قادة المجموعة وتعين قيادة جديدة تعمل بالتنسيق مع القيادة الروسية التى تحول موقفها لصالح الحكومة السودانية .
‎فشل المنابر المتعددة في حل الازمة السودانية (جدة – القاهرة – المنامة – جيبوتى – باريس ) وجنيف المتوقعة إذا سارت على نهج سابقاتها، إلى جانب الآليات التى شكلها الإتحاد الإفريقي والايقاد وقد أنضمت هذه الاليات إلى جملة المنابر الفاشلة لمعالجة المشكلة ، الأمر الذى شكل ضغطًا على دول الجوار لمراجعة مواقفها من الأزمة السودانية .
‎يشكل موقف مصر المتفرد والمختلف عن منبر جدة والتى دعت فيه لحوار يضم دول الجوار السودانى ، اصطفافاً جديداً حول الأزمة ورؤية ترتكز على أمن الحدود وحركة اللاجيئن عبر الحدود الدولية والاوضاع الإنسانية والاقتصادية هذا الموقف المصرى وبما تملكه مصر من ثقل فى المنطقة ترك أثره في بعض دول الجوار المباشر .