رأي

الصداقة بالقراية

تتدرج العلاقات الإنسانية التي تربطنا بالآخرين من علاقات أخوة إلى علاقات حب إلى علاقات صداقة، والأخيرة هي قمة العلاقات الإنسانية. وقد يتساءل سائل كم من الزمن يستغرق الانتقال بالعلاقة من مرحلة العشرة الأخوية إلى مرحلة الصداقة؟
قد يستغرق الأمر طويلاً، أعوام حتى يأنس الخل لخليله، وربما أقصر من ذلك بكثير، وربما بضعة دقائق فقط لا غير كما حكى الكاتب الناقد والشاعر المرحوم سعد الدين إبراهيم بعد أن تساءل في 20 أكتوبر 2008 بصحيفة الرأي العام تحت عنوان “تأثير التأثيرات”، قائلاً:
“هل يمكن أن يصبح مؤلف كتاب أو كاتب مقال صديقك.. من قراءته له فقط؟ حدث لي هذا أخيراً من كاتب سوداني.. أصبت بإحباط شديد إنني ما قرأت له من قبل.. رغم أنه نشر مقالاته في الصحف. صديقي الجديد هذه هو الدكتور عبد العظيم ميرغني، .. أنا لم ألتق به أبداً إلا عبر مطبوعته “تأثيرات في الحياة والمعاني”. واصل الأستاذ سعد الدين بعد ذلك في حديثه عني ما لو أعدته عليكم لعددتموني من فصيلة “الأبالسة”، من شكَّار نفسه إبليس.
أضاف الأستاذ المرحوم بإذن الله بعد ذلك قائلاً: صداقتي هذه مع الكتَّاب بدأت منذ فترة.. فعندما شاهدت “دراما” أسامة أنور عكاشة قررت أنه صديقي. وقبلها عندما أقرأ كتابات الدكتور محمود أمين العالم قررت إنه صديقي.. وشاءت الظروف أن ألتقي بهما وأحاورهما.. أسامة.. حاورته كصديق حقاً وهو رجل ساحر آسر.. قضيت معه في بيته بحدائق الهرم ثلاث ساعات ولم أحتمل مفارقته وأزعم أنه أحبني.. دكتور العالم حاورته ومعي الزميل الحاج وراق.. وكان هو قائد الحوار وكنت أنا استمع وأنا أتفرس في وجهه وملامحه.. هل هو هذا العملاق الماركسي المرتب؟ وحكى لنا وأنا أتأمل الرجل وأستعيد مآثره. وحكى بتواضع عن تجربته النضالية.. وصموده لها.. كان يتحدث لوراق وأنا استمع كما أستمع إلى أم كلثوم أو شادية.. حتى توجس وقال لوراق.. الأخ سعد هذا لا يعجبه كلامي.. فقلت له: على العكس كأنك تغرد يا أستاذنا.. نعود للدكتور عبد العظيم..”.
نترك الأستاذ سعد الدين رحمه الله هنا قبل أن يعود للحديث مرة أخرى عن دكتور عبد العظيم، لنعود نحن لأصل الموضوع الذي طرحه الإستاد سعد الدين وأجاب عليه: “هل يمكن أن يصبح مؤلف كتاب أو كاتب مقال صديقك.. من قراءته له فقط؟
ما حدث للأستاذ سعد الدين من صداقات بالقراية حدث لي أيضاً مع صديقي الأستاذ سیف الدین والذي صادقته من قراءاتي له قبل أن يعرفني به أكثر صديقنا المشترك الدكتور سليل اليعقوباب بهاء الدين أحمد الحاج الزراعي السناري الأديب الأريب.
الأستاذ سیف الدین عبد الحمید النعیم، من أبناء أم سيالة ريفي بارا، تخرج في كلية الآداب جامعة الخرطوم عام 1984، متنوع الخبرات الإدارية، وعمل كاتباً صحفياً ومترجماً وشاعراً وناقداً ومؤلفاً كذلك. ومن أبرز أعماله التي هي من تألسفه أو ترجمته، كتابه “مقالات في الأدب والسیاسة” الذي قدم له صديقنا المشترك دكتور بهاء الدين. وترجمته لمذكرات إدوارد عطیة بالإنجليزية تحت عنوان “عربي یحكي قصته” An Arab Tells his Story فضلاً عن عشرات المقالات التي ظل ینشرھا من تأليفه أو ترجمته في شتى المواضيع، من خلال الصحف السودانية، وخصوصاً في جريدة الصحافة التي كان یعمل بھا ردحاً من الزمان.
مؤخراً ترجم الأستاذ سیف الدین كتاب الإداري الاستعماري البريطاني السیر هارولد مكمایكل The Tribes of Northern and Central Kordofan أو: قبائل شمال ووسط كردفان. ومنذ حوالي أكثر من شهر أخذ في نشر سِيَر لبعض الشخصيات السودانية المأخوذة من “معجم تراجم أعلام السودان” لمؤلفه المؤرخ الإنجليزي ريتشارد هِل، بشكل يومي ببعض هذه الشخصيات التي ربما عرف القارئ عنها القليل وبعضها قد لم يكن يعرفها من قبل. بعض هذه الشخصيات من أصول أجنبية مختلفة عاشت منذ أقدم العصور حتى عام ١٩٤٨م وضعت بصمتها على بلاد السودان التي دخلوها إما رحالةً أو مستكشفين أو مبشرين أو تجاراً أو غزاةً أو وعاظاً، الخ. جديرٌ بالذكر أن “معجم تراجم أعلام السودان” يضم ما يربو على ألف وتسعمائة شخصية تتراوح سِيرها ما بين القصيرة والطويلة والمتوسطة حيث تطول مادة السيرة أو تقصر حسب ما توفر من معلومات للمؤلف.
توحي كتابات صديقي الجديد الأستاذ سيف الدين وأديباته المنشورة على صفحته بالفيسبوك وعلى الواتس أب بسعة الاطلاع والقراءة المتعمقة في تاريخ السودان وفي الأدب العربي الكلاسیكي، والشعبي السوداني، وفي الآداب الغربیة الأنجلو-سكسونیة منھا خصوصاً.
يحوى معجم تراجم أعلام السودان” لريتشارد هِل وكتاب السیر هارولد مكمایكل عن قبائل شمال ووسط كردفان، ثروة فكرية و ثقافية ضخمة، تسهم في عكس الخلفية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية للمجتمع وعكس حياة المجتمع السوداني، ورسم ملامحه، وكمصدر للمعلومات.
إن كان كناب محمد نور بن ضيف الله، المعروف بطبقات ود ضيف الله يُعد من أهم الآثار المكتوبة والمصادر الأساسية التي يُعتمد عليها في إثراء التراث الثقافي السوداني، والتؤثيق لحياة المجتمع في حقبة الفُنج (1504 – 1821)، فإن مؤلفات ريتشارد هِل والسیر هارولد مكمایكل ومذكرات إدوارد عطیة التي ترجمها صديقي الأستاذ سيف الدين توثق للفترة حتى العام 1948 بمثابة “طبقات حديثة” يُمكن الاعتماد عليها في إثراء التراث الثقافي السوداني، والتوثيق لحياة المجتمع.
ختاماً، إيه رأيكم دام فضلكم في حكاية الصداقة بالقراية؟ قبل الإجابة أرجو أن تستمعوا معي لقول صديقنا المشترك المستر وليم فيلبس أستاذ اللغة الإنجليزية بالجامعات الأمريكية في عام 1933 (مع بعض التصرف) أنه ليس هناك أصدقاء أفضل من رجال ونساء حقيقيين تكون بجانبهم لحماً ودم، ولكن للأصدقاء بالقراية ميزة عليهم إذ يمكنك التمتع بصحبتهم متى ما شئت ومحادثتهم في أي لحظة. أما اؤلئك أصدقاء لحماً ودماً فهم قد تصعب رؤيتهم، فهم غالباً ما يكونون –ربما بالصدفة- نائمون أو في رحلة ما وغير موجودين.

تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتحياتي.

عبد العظيم ميرغني