رأي

إن التشبه بالكرام فلاح

✒️ عبدالعظيم ميرغني

• خلصت دراسة أجريت على الخصائص البيولوجية والنفسية والاجتماعية لعدة سلالات بشرية إلى أن الإنسان “على نحو ما يُشبه كل الناس، وعلى نحو آخر يشبه بعض الناس، وعلى نحو ثالث لا يشبه أحداً من الناس”.
• معلوم أن الأشخاص الذين يشابهون بعضهم قد يكون تشابههم لأسباب التشارك في جينات مشتركة. ولكن ما سبب التشابه الحق بين الأشخاص الذين لا تربطهم صلة قرابة ببعضهم ولم يلتقوا ببعضط أبدا؟
• ذكر لي الدكتور حسب الرسول فضل المولى مصطفى مدير مركز بجوث الغابات الأسبق، ورئيس مجلس البيئة بولاية الجزيرة الحالي أن أبا الغابات كامل شوقي ذكر له ولبعض الزملاء حينما كانوا أعضاء في مجلس إدارة الهيئة القومية للغابات حينما كنت أنا مديرها العام، أنني أشابهه كثيراً حينما كان في سابق الزمان مديراً للغابات. وقد ذكر أبو الغابات لي ذلك شخصياً حينما رحلت زوجتي “هدى” أن أسمها مطابق لاسم زوجته التي رحلت هي أيضاً قبل رحيله، رحمهم الله أجمين.
• رغم ما دار من أحاديث عن هذا التشابه الحادث فيما بيني وأبي الغابات إلا أنني لم أنتبه لدرجة هذا التشابه إلأ عندما عقدت مقارنة بين مذكرات أبي الغابات الشخصية المنشورة ومذكراتي. فإذا بي أرى هذا التشابه على النحو الذي سأورده في السطور التالية، فاذا لم ير القارئ الكريم من ذلك التشابه شيئاً فإنه لا لوم عليه للبون الشاسع بيني وبين أبي الغابات الرجل القامة الذس سارت بسيرته الحسنة الركبان، كما أنه لا حرج سيكون عليَّ إذ قيل “فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح.
• في مذكراته الشخصية حكى أبو الغابات عن كيف أن الصدفة المحضة هي وحدها التي قادته لدراسة علوم الغابات، وذلك بعد أن تخلى عن الدراسة بكلية كتشنر الطبية ولازم البيت حتى جاء والده ذات مساء من نادي الخريجين ورمي إليه بجريدة نجمة السودان (Sudan Star) التي كان بها إعلان من وزارة الزراعة والغابات عن فتح باب التقديم للراغبين في الحصول على بعثة حكومية لدراسة الغابات في جامعة أدنبرة الأسكتلندية، ودون أي تأخير ذهب في اليوم التالي للغابات للتقديم وتم قبوله مع زملائه خالد حمد ومجذوب البنا.
• بالمثل يمكنني القول بأن الصدفة المحضة التي قادت أبو الغابات لدراسة علوم الغابات قادتني هي أيضاً لدراستها، فقد صادف عام التحاقي بكلية الزراعة جامعة الخرطوم الإعلان عن فتح باب التقديم للراغبين في دراسة علوم الغابات بالكلية لأول دفعة غابات في تاريخ الكلية، من بين الطلاب الذين التحقوا بالكلية ذلك العام.
• من اوجه التشابه بيننا كذلك أننا كنا صاحبي أطول فترتين في إدارة غابات السودان بعد الاستقلال، وفيما عدا فترة المستر س. أ. وود (1910 – 1929م)، فإنه لم يفوقني أحد في مدى الفترة الإدارية من مديري الغابات السبعة عشر الذين تعاقبوا على إدارة الغابات منذ تأسيسها عام 1902، وذلك بالتشارك مع الدكتور جون سميث (1929 – 1944م) ثم تلت ذلك فترة الدكتور كامل شوقي (1954 – 1966م)، بالتشارك مع المستر و. ل. مارشبانكس (من 1944 إلى 1954م) الذي حدثت في عهده السودنة فخلفه أبو الغابات في إدارة الغابات.
• حاز أبو الغابات خلال فترة خدمته الطويلة الممتازة على خمسة من أرفع أوسمة ونياشين الإنجاز والامتياز في المجالين المدني والسياسي، من داخل وخارج السودان. بالإضافة لشهادتي دكتوراه فخريتين من جامعتي الخرطوم والأحفاد.
• بالمقابل لم تؤمن لي خدمتي الطويلة فوزاً بأنواط أو نياشين أو أوسمة ولكنها منحتني شرف أن تنال الهيئة القومية للغابات في عهدي نجمة الإنجاز عام 2002، وشرف تكلل مساعي في تكريم عشرة من الرموز والرعيل الأوائل لرجال الغابات من داخل وخارج السودان من الوطنيين والأجانب بمنحهم أرفع الأوسمة والنياشين، وسام النيلين ونجمة الإنجاز.
• من أوجه التشابه بيننا كذلك أننا كنا الوحيدين من بين كل مديري الغابات، عرب وعجم، الذين شغلوا وظيفة مدير الغابات منذ إنشائها، الذين أخضعوا للاستقصاء والتحقيق وفحص المستندات والتفتيش والمساءلة والسؤال داخل وخارج مصلحة الغابات بالنسبة لأبي الغابات، وداخل وخارج الهيئة القومية للغابات بالنسبة لي. ولم تجد لجنة التحقيق المؤلفة في حالة أبي الغابات من السادة مهندس الري عبد الله محمد إبراهيم ودكتور حسين السيد الأستاذ بجامعة الخرطوم، ولجنة التحقيق المؤلفة في حالتي من السادة: أحمد محمد أحمد شنتور وكيل وزارة العمل والخدمة العامة وتنمية الموارد البشرية (رئيساً)، وعضوية كل من السيد أحمد جعفر المفتي نائب مراجع عام حكومة السودان، البروفيسور مأمون ضوالبيت ممثل وزارة الزراعة والغابات والأستاذة صفية أحمد العبيد رئيس الإدارة القانونية بوزارة العمل، لم تجد هاتين اللجنتين في حقنا ما يستحق المساءلة والاستقصاء بل البراءة والإشادة والثناء والتقدير.
• وإن كان أبو الغابات قد فاقني بعدد المرات التي فصل فيها من الخدمة بنتيجة 3 مقايل1، حيث تم فصله من الخدمة بالتطهير والإعفاء ثلاثة مرات، فإنه قد تم إعفائي مرة واحدة فقط لا غير، لكني قد فقته وجميع مدير غابات السودان بأنني الوحيد من بينهم جميعاً الذي أوقف عن العمل أثناء الخدمة قبل أن يسمح له بمعاودتها بعد ثبوت براءته بعد ثلاثة أشهر من الإيقاف، ولذلك قصة يشهد عليها بروفيسور مامون ضو البيت، وكل من اطلع من القراء على مذكراتي المنشورة منذ ثلاثة سنوات.
• لا تقتصر مطاهر التشابه فيما بيننا على ما ذكرناه نحن عن أنفسنا بل يتبدى ذلك في شهادة المراقبين والراصدين للأحداث من حولنا، كالشهادة التي أوردها وزير المالية الأسبق المرحوم إبراهيم منعم منصور في مذكراته (2017م، صفحات 335 – 338)، بقوله “وكاد الصمغ العربي يلحق بالحبوب الزيتية لولا قوة المنتجين وظهور هيئة الغابات في المسرح بقيادة مديرها عبد العظيم ميرغني ورعاية الأب الروحي للغابة السودانية وأول مدير سوداني للغابات، المتقاعد محمد كامل شوقي) ثم أكد ذلك في موضع آخر من المذكرات بقوله (بكل الصدق لولا جهود عبد العظيم وكامل شوقي، لكاد الصمغ أن يلحق الحبوب الزيتية).
• مما يلفت النظر في هذه الشهادة ليس فقط التقدير وتثمين الإنجاز ولكن أيضاً الإشارة إلى العلاقة التي كانت تربط فيما بيننا، والتي لم تفت على فطنة راصد للأحداث ومراقب بثقل ووزن المرحوم الناظر إبراهيم منعم منصور، الرمز الوطني والاجتماعي والخبير الاقتصادي المرموق. هذه العلاقة التي نشأت بيني وبين أبي الغابات لو شئت لاسترسلت في تبيانها بلا انقطاع لولا أن يمل القارئ.
• درج الناس علي أن ينسبوا كل شيء يحدث في حياتهم دونما تخطيط مسبق أو هدف مرئي ظاهر للصدفة. ولكن العارفين ومن هم من أهل الباطن يدركون أن لا محال في الحياة للصدفة. وأن كل ما يحدث في حياتنا محسوب ومقدر. وهذا ما تقول به أيضاً بعض النظريات العلمية الحديثة كنظرية الفوضى التي تفترض أن الخفقات الدقيقة لجناحي فراشة في هونكونج يمكن أن تثير عاصفة ترابية في الخرطوم أو تحول دون حدوثها. وتقول من ذلك من ثم إلى القول بأن أحداث الكون هي في الأصل متشابكة ومتصلة، وأن ما نحسبها ظاهرياً أحداثًاً عشوائية نجدها عند تجميعها أحداثاً مترابطة بشكل غامض جداً ومثير للغاية.
• أثبتت نظرية الفوضى أيضاً أن وراء مظاهر الفوضى التي نشاهدها حياتنا اتساق وتناسق ونظام بديع. كما أوضحت أن التأثرات العظيمة تأتي من البدايات الصغيرة، مثل مجرد إعلان في جريدة Sudan Star أو على لوحة إعلانات كلية زراعة نواحي شمبات، الخرطوم بحري، جهورية السودان.

تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتحياتي.

عبد العظيم ميرغني