رأي

قف تأمل

• في بريطانيا انقلبت حافلة مليئة بأطفال إحدى المدارس الكنسية ومات جميع من كان على متنها من أطفال، فعلقت صحيفة الصنداي تلغراف البريطانية على الحادثة بقولها: كيف يمكن أن نصدق بأن إلهاً محباً وقادراً ورحيماً يسمح بحدوث كارثة كهذه؟ فرد عليها أحد القساوسة، بإجابة بسيطة بقوله: نحن لا نعرف لماذا يكون هناك إله يسمح بحدوث مثل هذه الكوارث الفظيعة. ولكن الهلع والجزع الذي أحدثته هذه الحادثة لمؤمن مثلي يؤكد حقيقة أننا نعيش في عالم ذي قيم حقيقية، قيم موجبة وسالبة. فإذا كان الكون مكوناً من مادة فقط، لما كانت هناك معضلة اسمها الشر أو المعاناة.
• في رواية “الأبله” شخص الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي مشاعر الإنسان المقاد لتنفيذ حكم الإعدام فيه، والسؤال الذي يخطر على باله في تلك اللحظات الأخيرة من حياته. وهي تجربة عاشها دوستويفسكي بنفسه ونجا منها في آخر لحظة. وحكى دوستويفسكي الذي كان ضمن جماعة ثورية، وألقي القبض عليهم وعددهم عشرين شخصاً وسيقوا مسلسلين إلى ساحة الإعدام رمياً بالرصاص، وقال كان يوجد هناك جنرالات مصطفين بلباسهم العسكري ونياشينهم. وكانت هناك ثلاثة أعمدة منتصبة في ساحة الإعدام لكي يقيدوا عليها كل شخص من المحكوم عليهم ليطلقون عليه الرصاص، ثم بدأت مراسم تنفيذ حكم الأعداء بنطق أسماء المحكوم عليهم العشرين. وكان ترتيبه السادس في ترتيب قائمة المحكومين. فتم أولاً تقييد الثلاثة الأوائل وأخذ صف الجنود تشكيلة وضع الاستعداد لأطلاق النا، عندها حسب دوستويفسكي في نفسه أن ما تبقى له في الحياة لا يتجاوز الخمسة دقائق، فعزم على أن يعيشها كاملة بكل ثوانيها، فقسمها إلى دقيقتين يودع فيها رفاقه المحكوم عليهم معه، ودقيقة يتملى فيها في مشهد الوجود من حوله، ودقيقتين يتمعن فيهما في سؤال ما معنى الوجود. فكم من إنسان يا ترى عاش هذه التجربة التي عايشها دوستويفسكي ولم يقيض له الله ما قيضه لـ دوستويفسكي حتى حكى عن تجربته.
• في روايته الأخرى “الجريمة والعقاب” شخص دوستويفسكي نفسية الشخص المواجه بالموت وهو في حالة خوف منه، فقال بأنه لو أتيح لهذا الشخص أن يعيش مدى الحياة على قمة عالية لا يتسع له فيها سوى موضع قدم، لـفضَّل هذه الحياة مئة مرة على الموت. وقال عن المحكوم بالإعدام، أنه حين يُساق إلى ساحة القصاص على متن عربة، فإنه يتمنى أن تطول المسافة بينه وبين ساحة القصاص ولو شبراً واحداً، حتى إذا ما أصبح يقترب من مكان الإعدام، أخذ يطمئن نفسه بأنه ما تزال هناك مسافة شارع أو شارعين من مكان موته. فهو يظل متشبث بالحياة ومقتنع حتى اللحظة الأخيرة، بأن ضربة من ضربات القدر ستخلصه في النهاية من حبل المشنقة. فرغم أن حياة هذا الإنسان في الواقع مليئة بصنوف العذاب و الشقاء، إلا أنه يفضل هذا العذاب و الشقاء على أن يصبح جثة هامدة.
• من وصايا ميكافيلي للأمير أن “أول الوسائل التي تكسب الأمير الشهرة تقديمه الدليل على قوته، فـ “فرديناند” ملك الأرغون وإسبانيا بلغ ذروة الشهرة وأصبح ملك المسيحية الأول لأنه بدأ عهده بمهاجمة “غرناطة”، فحصر تفكير نبلائه في الحرب ولم يوفر لهم وقتاً للتفكير في أي ابتكار أو ابتداع، فبسط بذلك سلطانه عليهم دون أن يشعروا، فتمكن بذلك من طرد (العرب) وسلبهم كل ما يملكون بخوضه حرباً طويلة الأمد تحت ستار الدفاع عن (الدين)، غذاها بالأموال التي استولى عليها من (الكنيسة) ونهبها من (الشعب). ليس هناك من أعمال أتعس ولا أكثر شذوذاً من هذه الأعمال، إلا أنها أكسبته الشهرة وذيوع الصيت.
• أخيراً، قف تأمل عزيزي القارئ في قصيدة الوداع للشاعر إبراهيم ناجي مما غناه منها زيدان وما غنته منها أم كلثوم، رحمهم الله أجمعين:
قف تأمل مغرب العمر وإخفاء الشعاع
تبعث السلوى وتنسي الموت متروك القناع
دمعة الحزن التي تسكبها فوق ذراعي

حان حرماني وناداني النذيرْ ما الذي أعدّدْتُ لي قبل المسيرْ
زمني ضاع وما أنصفتني زاديَ الأولُ كالزاد الأخيرْ
ريّ عمري من أكاذيبِ المني وطعامي من عفافٍ وضميرْ

هل رأى الحبُّ سكارى مثلنا؟! كم بنينا من خيالٍ حولنا!
ومشينا في طريق مقمرٍ تثبُ الفرحةُ فيه قبلنا!
وضحكنا ضحك طفلينِ معاً وعدونا فسبقنا ظلنا!
وانتبهنا بعد ما زال الرحيق وأفقنا. ليتَ أنا لا نفيقْ

يقظةٌ طاحت بأحلامِ الكَرَى وتولّى الليلُ، واللَّيْلُ صَدِيقْ
وإذا النُّورُ نَذِيرٌ طَالعٌ وإِذا الفجرُ مُطِلٌّ كالحَرِيقْ
وإذا الدُّنيا كما نعرفُها وإذَا الأحْبَابُ كلٌّ في طَريق
كانت تلك قراءة في مصادرة مختلفة.
تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتحياتي.
عبد العظيم ميرغني