رأي

في شأن فلسفة العلوم

لماذا ينمو شعر الرأس والشارب واللحية ويسترسل في الطول بينما لا تنمو رموش العين إلا بقدر؟ هذا السؤال صادفته عرضاً في إطار استعراض لتصنيف درجات العلوم من حيث الرقي والرفعة إلى أربعة درجات، أعلاها درجة العلوم الروحانية والغيبيات لأنه موحى بها، تليها العلوم الإنسانية كعلم النفس وعلم الاجتماع لأنها تعنى بغير الماديات، وأدناها درجة العلوم التطبيقية المادية مثل الزراعة والطب والفلك والهندسة، والتي يعلوها درجة علم فلسفة العلوم موضوع هذه المقال.
يعود أصل هذا العلم إلى القرن التاسع عشر حينما تخصصت العلوم وصارت حقولاً مستقلة أشبه بالجزر المنفصلة عن بعضها، وصار كل عالم في مجال لا يعرف شيئاً عما يجري في المجال الآخر، عندها برزت الحاجة لعلم جديد لوصل الحقول العلمية المختلفة والتنسيق فيما بينها. هكذا برز علم فلسفة العلوم للإجابة على الأسئلة التي تقع في نطاق أكثر من مجال وتخصص مثل السؤال الذي استهللنا به هذه المقالة، لماذا لا تسترسل رموش العين في النمو؟ ولإيضاح كيفية عمل علم فلسفة العلوم في مجال علم الأحياء مثلاً نضرب بعض الأمثال.
جاء في كتاب مايكل ريوس “فلسفة علم الأحياء المعاصر” الذي كان مقرراً علينا أيام الدراسة فوق الجامعية بجامعة هلسنكي الفنلندية، أنه بما أن الكيانات الكبيرة ليست أكثر من مجموع الكيانات الصغيرة المكونة لها، وبما أن الكل يتكون من لا شيء سوي أجزائه، وأن الخيمة ليست أكثر من مجموع مكوناتها (قماش وعمود وقرص وأوتاد وحبال) فإن الكائن الحي ليس سوي مجموع الجزيئات التي تتألف منها كتلته.
هذا المثال الذي كان ضمن مقررات دراستنا فوق الجامعية بهلسنكي الفنلندية يقابله من أيام التلمذة والدراسة الباكرة ببخت الرضا مثال آخر أيام تنافسنا على نصب الخيام في مجموعات بمعسكراتنا الخلوية، حينما نجحت مجموعتنا في إنجاز المهمة في وقت قياسي يضمن لها الفوز قبل أن يتبين لها أنها قد أغفلت القرص الذي كان من المفترض وضعه بأعلى العمود من الداخل فوضعه بعضنا بدلاً عن ذلك بأعلى الخيمة كما الطاقية من الخارج، فكانت النتيجة خيمة بغير الهيئة والقوام الطبيعي المألوف للخيام، فلو كان مايكل روس على صواب، وكانت الخيمة ليست أكثر من مجموع مكوناتها لما كنا قد خسرنا السباق.
لا أحد ينكر أن الاتجاه الغالب في العلوم التجريبية هو تفسير الكبير بلغة الصغير، ولكن مع الأخذ في الحسبان طرق نظم وتوزيع الكيانات الصغيرة، هذا الأمر له أهميته في علم الفيزياء فتوصيل المعدات الكهربية توازياً ليس كوصلها تواليا، كما له أهميته أيضاً في علم الكيمياء، فالكيميائيون يتندرون بالقول قلم الرصاص والألماس كلاهما من الكربون، والفرق فقط في ترتيب الذرات.
مثال آخر، الحياة بمفهوم بعض نظريات علم الأحياء المادية صراع مخلب وناب، والاحياء وحوش كواسر هدفها وغايتها الظفر بالبقاء، والبقاء بعامل الاصطفاء والانتخاب للأصلح بمعيار القوة والسطوة والدم. فلنفترض مثلاً أنه نشأت في ذات يوم صفة تسمى العدوانية بين بني البشر، وأنه كان هناك تفاوت وراثي في درجة اكتساب هذه الصفة، فبهذا يمكن للأجداد الأكثر عدوانية السيادة على الأسلاف الأقل عدوانية. ولكن الحياة ليست كلها صراع وقتال ودماء فهناك تعاون وإيثار وحب بين الناس لبعضهم البعض فكيف تفسر مثل هذه الصفات والمآثر؟
هناك عدة نظريات لتفسير ذلك منها نظرية “انتخاب الأقارب” وفحواها أنه ليس بالضرورة أن يخلف الأفراد أنفسهم ذرية عدوانية بطريقة مباشرة حتى يضمنوا بقاء واستمرارية نسلهم (جيناتهم) ولكن يمكنهم ضمان ذلك بطرق غير مباشرة، عن طريق أقاربهم، لأن الأقارب يشاركون بعضهم ذات الطراز من الجينات بنسب مختلفة، فالأخ يشارك أشقائه نسبة 50% من جيناته، وأبناء أخيه/أخته بنسبة 25%، وابناء خاله/عمه/خالته/عمته بنسبة 5ر12% وهكذا. وعليه يمكن للفرد الذي لم يرزق الذرية أو لا يرغب هو في الإنجاب أن يضمن بقاء نسله (جيناته) واستمراريته بإكثار ذرية أقاربه.
كيف ذلك؟ تخيل مثلاً أنك “كتكوتا” وسط أقاربه الكتاكيت وفجأة ظهرت حدأة فوق سماء المنطقة، فأطلقت صيحة تنبيه وإنذار لأقاربك من الكتاكيت، فتنبهت الحدأة لوجودك فاقتنصتك، فتكون رغم الخسارة الشخصية المأساوية والمفجعة قد أنقذت عدداً من أقاربك الأقربين، فتكون بذلك قد نجحت في بقاء واستمرار نسلك المتمثل في الجينات المشتركة التي يحملها أقاربك.
لكن الإحسان والمروءة بين الناس ليست وقفاً على الأقارب بل تمتد الي الغريب وابن السبيل وذوي الحاجة الملهوف وكافة ممن لا تجمعنا بهم صلة قرابة فما قول النظرية في ذلك؟ هنا تأتـي النظرية بما يسمى “الايثار المتبادل”. ترى مثلاً شخصاً يغرق فتخاطر بنفسك لإنقاذه علي أمل أنه عندما تغرق أنت في المستقبل سيجيئ لينقذك فتكون بهذه الطريقة قد زدت من احتمالات بقائك حياً لفترة أطول ومن ثم عززت من فرص تكاثر نسلك وذريتك.

تلك هي بعض سيناريوهات اعتمدتها نظريات “فلسفة علم الاحياء الحديث” و “علم الاحياء الاجتماعي في تفسير بعض الظواهر الطبيعية في علم الأحياء فهل تراها عزيزي القارئ تفسيرات منطقية وعقلانية ومقنعة؟ وهل بإمكانك عزيزي القارئ إيجاد تفسير مقنع لماذا لا تسترسل رموش العين في النمو غير أنها معجزة ربانية لا تحتاج لتفسير علمي مادي؟

اخيرا علم فلسفة العلوم لم يكن من ضمن مقرراتنا الجامعية في زماننا فهل هي الآن من ضمن المقررات؟
تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتحياتي.

عبد العظيم ميرغني