التفاوض مع التمرد ضرورة يمليها الواقع السوداني الأليم

ابراهيم اونور
استاذ الاقتصاد والتمويل
جامعة الخرطوم
بعد خمسة عشرة شهرا منذ اندلاع الحرب المدمرة في السودان أصبحنا لا نري بارقة امل لحسم المعركة ميدانيا من كلا الطرفين بل نري استمرار في تدمير المكتسبات التنموية التي تحققت بعد عقود طويلة من الزمن ونري ايضا تشرد اهل السودان الي اصقاع العالم والي بعض الولايات في السودان حيث أصبحت الدولة السودانية دولة فاشلة بمعني الكلمة لا أحد يضع لها اعتراف واعتبار في دول العالم.
تجارب الحروب السابقة علي مستوي العالم تؤكد ان كل الحروب في نهاية المطاف تنتهي بتفاوض حتي عندما يكون أحد الأطراف منتصرا، ولذلك من الضرورة بمكان ان لا يغيب التفاوض في المشهد السوداني الحالي. طبعا من ناحية تكتيكية الأفضل أن تبدأ التفاوض بعد أضعاف العدو وتحقيق مكاسب عسكرية في ميدان المعارك خاصة اذا كانت الحرب مع عدو اجنبي ولكن في ظل حالة السودان بالرغم ان الواقع يقول هناك مطامع خارجية في ثروات وموارد السودان من خلال تمويل قوات الدعم السريع الا انها حرب داخلية بين مكونات سودانية حيث يمكن اخمادها من خلال تفاوض يلبي الحد الادني من مطلوبات لطرفي الحرب.
كثير من الكتاب والسياسين يصرون علي عدم قبول تفاوض مع الدعم السريع بعد الاذي الذي لحق بالمواطن السوداني خلال شهور الحرب من اغتصاب حرائر واستيلاء علي ممتلكاته ولكن الصحيح في اعتقادي هو تقييم المصلحة العامة والضرر الذي يمكن أن يلحق بالمجتمع والدولة السودانية مع استمرار الحرب بوتيرتها الحالية. المشكلة الكبيرة التي ينبغي أن ننظر إليها هي مهدد وجود الدولة السودانية او تقسيمها الي دويلات كما يريدها الكفيل الذي يقوم بتمويل الحرب دعما للمليشيا. ولذلك ينبغي أن نعمل وفقا للقاعدة الفقهية المعروفة هي ضرورة درأ ضرر اكبر من خلال قبول ضرر اقل. قد يكون قبول الجلوس وتفاوض مع الدعم السريع بعد فظائع الحرب مؤلما لضحايا الحرب وهم كل الشعب السوداني ولكن ابعاد ضرر اكبر قد يكون الخيار الذي تمليه الظروف الواقعية.
في بداية ثمانينات القرن الماضي بعد أندلاع الثورة الإيرانية الاسلامية ضد شاه إيران الحاكم أنذاك تجمعت كل قوي الدول الغربية وبعض الدول الخليجية لاسقاط الحكومة الإسلامية وبدأو بتحريض وتسليح العراق تحت قيادة صدام حسين. وفقا لما هو مخطط له انذاك باغت الجيش العراقي الحكومة الإيرانية وتوغل داخل الأراضي الإيرانية بعد استيلائه علي مواني وحقول نفط داخل الأراضي الإيرانية. بعد حرب طاحنة ومكلفة للطرفين وبعد فترة ليست قصيرة استطاع الجيش الإيراني تحرير كامل اراضيه بل بدأ يتوغل داخل الأراضي العراقية وكان الهدف المعلن لأية الله الخميني ازاحة صدام حسين من الحكم مهما كلف من ثمن. مع اصرار القيادة الإيرانية لاستمرار الحرب ولكن نسبة للتكلفة الاقتصادية والبشرية الباهزة اضطر الامام الخميني بضغط شعبي داخلي ان يوقع اتفاق وقف طلاق نار والرجوع الي حدود دولته وعندها قال الخميني قولته المشهورة: لولا الضرورة التي يمليها علي الواقع لما توقفت عن هذه الحرب مهما كلفني من ثمن و اليوم أضع توقيعي علي هذا الاتفاق حيث أشعر كأنني اتجرع كوب من السم.
الذي أود قوله هنا رغم مرارات الحرب قد تقتضي الحكمة واعلاء المصلحة الوطنية توقيع اتفاق يوقف نزيف الدم بين الطرفين ولكن من ناحية استراتيجية ولمصلحة إنجاح التفاوض اذا قرر الجيش الجلوس مع قوي التمرد في مفاوضات ينبغي أن تكون المفاوضات مباشرة والحرص علي استرداد عواصم الولايات التي سقطت خلال الفترة الماضية بالتحديد مدني والفولة وسنجة في أقرب فترة ممكنة قبل التفاوض وكذلك تنظيف جيوب التمرد في ولاية الخرطوم دون تلكأ .
كثير من الناس يعتقدوا ابرام اتفاق يعني ارجاع كل الامكانيات الاقتصادية والسياسية للمليشيا في فترة قبل الحرب. بنود اتفاق جدة واضحة ولا تحمل اي دلالات لتسوية سياسية ولكن إذا تم تضمين بند التسوية السياسية في المفاوضات لا أعتقد هناك مشكلة كبيرة وعلي وفد الجيش السوداني التمسك بحكومة انتقالية مستقلة لفترة قصيرة جدا وثم ارجاع قرار الحكم لاختيار الشعب دون استثناء لأحد بما فيها قوات الدعم السريع اذا طرحت نفسها قوي سياسية بديلة. أما جرائم الحرب ينبغي أن تحال للقضاء السوداني ضد قيادات الدعم السريع وقيادات الجيش الذين تطالهم تهم التقصير بخصوص انسحابات الجيش من المدن الولائية دون ابلاغ المواطنين الذين تحت حمايتهم.