اثيوبيا.. عملية نقض الضفائر .. الأسباب والمرامي

خالد طه
تابع المراقبين حركة تحول واسعة في الموقف الأثيوبي الرسمي حيال الحرب في السودان، والتغير إلى مربع تقريب وجهات النظر وطرح الوساطة ليس فقط بين قادة الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع، بل قيام رئيس الوزراء الأثيوبي آبي احمد بدورا مهما في التمهيد لعودة الاتصال بين رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق اول عبد الفتاح البرهان ورئيس دولة الامارات العربية المتحدة محمد بن زايد آل نهيان، بعد أن وصلت شكاوى السودان من تدخل إماراتي منحاز في حرب السودان، إلى أروقة مجلس الأمن الدولي.
آبي احمد الذي حظي بتكريما دوليا بارزا بحصوله على “جائزة نوبل للسلام” في عام 2019، قبل أن يخوض حربا داخلية كبرى في إقليم تقراي شمالي اثيوبيا – تلك الحرب التي مددت سنوات التوتر والصراع الاثيوبي الاثيوبي، وجعلت أصوات كثيرة تطالب بسحب الجائزة منه – لم ينطلق هذه المرة من دوافع تعزيز السلام في السودان، بل كانت له دوفع أخرى.
جر الخيط
لفهم الدوافع الأساسية المحركة للتغير الكبير في موقف أديس ابابا بشكل كامل لابد من اكتشاف او كشف تدريجي للمعطيات المعقدة والمتشعبة في الساحة الاثيوبية الداخلية، ودور ومصلحة الأطراف الخارجية ايضا.
رفض وضغوط
توسع حالة الرفض والمقاومة للسلطة المركزية في الأقاليم التسعة (عفار- أمهرا- اوروميا- بني شنقول- غامبيلا- صوماليا- سيداما- تقراي، والعاصمة الادارية الفدرالية أديس ابابا) وهي الوحدات التي يقوم عليها الهيكل الإداري الفدرالي لجمهورية إثيوبيا الديمقراطية الاتحادية، جعل سلطة حكومة آبيي احمد مهددة بإنهيار وشيك، ستزيد فرص وقوعه في حالة تمدد الحرب في السودان و وصولها إلى الحدود الاثيوبية المتاخمة لولايات النيل الازرق وسنار والقضارف السودانية.
لذا أصبحت ضرورة وقف الحرب في السودان أو عدم السماح بتمددها شرقا – على الاقل- أصبح ضروريا جدا لسلامة اثيوبيا، بالرغم من أن التخطيط المقابل لدى “مليشيات الدعم السريع” كان يعمل على سرعة الوصول إلى الحدود الاثيوبية لضمان توفر خطوط إمداد سريعة وآمنة تغير ميزان القوة وسير العمليات العسكرية في وسط وشرق السودان.
نتائج عكسية
تضاءلت فرص (حزب الازدهار) الذي يقوده آبي احمد، بعد توقيع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وإدارة آبي أحمد على اتفاق بريتوريا التي أصبح امر تنفيذها من الأعباء الثقيلة، لناحية انها أحبطت تطلعات (حزب الازدهار) في إجراء تغيرات دستورية تلغي نظام الفدرالية وترسي السلطة المركزية وتعيد رسم خرائط الأقاليم الإدارية، والقضاء على “الجبهة الشعبية لتحرير تغراي TPLF” .
وجاء توتر العلاقات مع إرتريا أحد أهم النتائج السلبية لاتفاق بريتوريا، لكونه قد افقد آبي احمد حليفا قوي له تأثيره في الداخل الأثيوبي، ومكن اسمرا من استمرار التحالف مع بقية الفصائل الإثيوبية المناوئة لحكومة آبي احمد.
من العوامل المهمة ايضا سلسلة الانشقاقات داخل المؤسسة العسكرية الاثيوبية، وانضمام بعض قادتها للتنظيمات المسلحة المعارضة، جعل شأن تعزيز الوحدة الداخلية للمنظومة الأمنية والعسكرية تحديا كبيرا.
يحدث كل ذلك مع عجز السلطات الاثيوبية عن منع وصد الهجمات المتكررة التي تنفذها مجموعات اثيوبية مسلحة في العمق الاثيوبي وفي بعض المناطق الحدودية، واخفاقها في توفير الحماية اللازم لمخيمات اللاجئين السودانيين ايضا – نفذ يوم الأربعاء 17 يوليو الحاري هجوما استهدف وحدة تأمين (مخيم كومر للاجئين السودانيين) وأسفر عن مقتل وجرح افراد القوة الشرطية الاثيوبية المناط بها حماية المخيم، كما أصيبت طفلة سودانية من قاطني مخيم كومر بجراح جراء الهجوم، كما لقت لاجئة سودانية حتفها وأصيب عشرة لاجئين آخرين بجراح خطيرة في هجوم من قبل مجموعة اثيوبية مسلحة على مخيم للاجئين السودانين في غابة اولالوت يوم السبت 20 يوليو 2024، دون أن يجدوا مغيث.
وساطة ام مخرج..
معلوم انه وللنجاح في السياسة الدولية والوساطة بين الدول أو أطراف النزاع داخل الدولة الواحدة، لابد من توفر عوامل الخبرة السياسية، والشخصية القيادية، والقدرة على الحوار والتفاوض، والشهرة والاحترام الدولي .. وأن توفر لآبي أحمد، جزء منها إلا أن بعضها قد سقط منه للأسباب المذكورة ولدوره القريب من أحد الأطراف في حرب السودان – مرافقة رئيس هيئة الأركان العسكرية الإثيوبية لقائد ثاني مليشيا الدعم السريع في زيارة تفاكرية إلى جوبا أكبر دليل على ذلك القرب- فضلا عن تدافعات تعارض المصالح بين دول جوار السودان، التي تجعل المهمة صعبة جدا بالنسبة له، فالتقارب المصري الصومالي، والارتري الجيبوتي، والارتري الصومالي، وتواصل تأرجح الموقف الجنوب سوداني بفعل تعدد الأجنحة والروئ
داخل حكومة جوبا، بالإضافة الى تطورات الخطوات الاستباقية الارترية حيال إحتمال وصول دائرة الحرب إلى شرق السودان، وإمكانية تحول كل ذلك إلى إشتعال في أطراف اثيوبيا نفسها، أدى إلى نتيجة أن تعيد أديس أبابا مراجعة الاتفاق مع سلطة أرض الصومال بخصوص استخدام الموانئ البحرية، وتعيد تقييم الاتفاق مع حكومة جنوب السودان بشأن إنشاء خط انابيب لنقل البترول، واتفاقات أمنية أخرى، لم يكتمل شهر بعد على إبرامها، فقط أبقت اثيوبيا على مساندتها لتوقيع جنوب السودان على اتفاقية عنتبي أو (الاتفاقية الأفريقية لتنظيم استخدامات المياه المشتركة) التي تم تبنيها في عام 1999 في أديس أبابا – إثيوبيا، ودخلت حيز التنفيذ في عام 2004، التي تعد اطارا قانونيا قاري يهدف إلى تنظيم وإدارة وتحقيق الاستدامة في استخدامات الموارد المائية، وذلك ضمن سعيها لحشد بقية دول حوض النيل لصالح موقفها من اتفاقيات مياه النيل.
إشتراطات دولية
ثم من اخرى ناحية جيوسياسية تأتي مهمة تأمين جنوب البحر الأحمر عاملا متصلا بالجهود والإجراءات الدولية التي تُتخذ لضمان الأمن والاستقرار في تلك المنطقة الاستراتيجية بالغة الأهمية، والمؤثرة على ممرات الملاحة البحرية الرئيسية. وهي مهمة تتطلب تعاون دولي وتوافق بين الدول الساحلية والدول المجاورة لها والمؤثرة في المنطقة، بحيث يتوفر الأمن البحري عبر التعاون الأمني بين الدول لتعزيز القدرات ومواجهة التهديدات الأمنية المشتركة، والتنمية الاقتصادية، والتعاون مع المنظمات الدولية والإقليمية، وإعمال الحوار السياسي المشترك وبناء الثقة بين الدول توطئة لحل النزاعات وفق برنامج دولي – ليس ثنائي- لتعزيز الحوار السياسي بين الدول لحل النزاعات بطرق سلمية قائمة على الثقة المتبادلة والتفاهم، وكل ذلك يتطلب بالضرورة وضع استراتيجيات متعددة الأبعاد.
ضرورات اقليمية
ومن الساحل الشرقي للبحر الاحمر تستمر تداعيات حرب اليمن في جنوبه والحرب في غزه في شماله، وتطل ايضا المصالح والاهتمامات السعودية في الساحل الغربي الذي يضم (مصر، والسودان، وارتريا، وجيبوتي) والتي بدورها تشمل عدة جوانب استراتيجية واقتصادية، مثل الاستثمارات الاقتصادية، والتعاون الدبلوماسي والأمني، والقضايا الإنسانية
والإغاثية، والشؤون الدينية، والشراكات الإستراتيجية الاخرى، والتنسيق في القضايا الإقليمية والدولية، وهو ما يجعل رهن شأن علاقات إثيوبيا مع جيرانها من دول حوض البحر الاحمر لجهات أخرى أمرا بالغ الصعوبة بالنسبة للسعودية، مهما كانت الروابط مع تلك الجهات.
يمكن أن نقول: ان تحركات الوساطة الاثيوبية، أو المخرج المقترح، ليست فقط لوقف الحرب في السودان، بل لمنع حدوث تداعيات كبرى وتأثيرات على كل دول المنطقة بدأ من جنوب السودان واثيوبيا و وصولا إلى منطقة البحر الاحمر والخليج العربي، والهدف الآخر من التحركات الاثيوبية -بالوكالة هذه المرة- هو التوصل لاتفاق يعفي دولة الإمارات من المساءلة بشأن التدخل المؤذي في حرب السودان، بل ويتيح إمتيازات جديدة في مجالات الاستثمار الزراعي المشترك، خصوصا في منطقة “الفشقة” فضلا عن إستعادة الامتياز الخاص بميناء “ابو عمامة” واستمرار معاملات اقتصادية في مجال التعدين وتسويق الموارد المعدنية.
والأثر المباشر للمساعي الاثيوبية الأخيرة فهو فقدان أطراف الحرب في السودان (القوات المسلحة السودانية) لدواعي إدانة التدخلات الخارجية والمصداقية في الخطاب السياسي، كما سيفقد (الدعم السريع) إستمرار التمويل والإمداد، لكن قد تسعى أديس أبابا إلى طرح نوع من “إعادة الشراكة” التي تقوم على شروط جديدة، فيها ما هو متعلق بها .. وما يخدم قوى إقليمية ودولية اخرى، تحقق أهداف الحرب التي لم تأتي كما كان مخططا لها، اذن اختار آبي احمد، ان يقوم الان بعملية “القفز على المعطيات” وتغيير الخطة بعد وضوح النتيجة .