لرفاق العمر أهدي نظرات في حياة ما بعد الستين 1 -2

قيل إن الإنسان في أدق تعريفاته هو أنه بضع أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه. إنه زمن وهو يمضي بتقدم العمر وينقضي بتقادمه. ويمثل تقدم العمر بالنسبة لنا جميعا حقيقة ماضية، لا مفر منها، كل ما في وسع بعضنا أن يفعله حيال ذلك هو أن يتحسر على ما فات ويسلم بما هو آت، وبعمل كسبه في ميزان الحسنات.
هناك الكثير الذي قيل في شأن تقادم العمر والدروس المستخلصة منه، ومن أمثلة ذلك ما ورد في كتاب “الحكمة المأثورة عن كبارنا” الذي جمع فيه مؤلفاه السيد والسيدة “كاثرين وروز بيتراس” أقوال عشرات الفلاسفة والعلماء والمشاهير الغربيين ممن تجاوزوا سن الستين.
من أبرز ما تضمنه الكتاب من أقوال، قول الشاعر إدوارد يونغ: “ظلالنا مثل رغباتنا تستطيل وتتطاول كلما مالت الشمس نحو المغيب”. ومن أطرف الأقوال، قول الكوميديان لوسيل بول: “السر في أن يبقى المرء يافعاً هو ان يعيش بنزاهة وشرف، ويأكل ببطء ثم لا يفصح عن عمره الحقيقي”. وما قاله رجل المال بيرنارد باروش: “بالنسبة لي، فإن كبر السن يعني دوماً خمسة عشر عاماً أكبر من عمري”.
مما أورده الكتاب من نظرات في الموت والحياة، قول الكاتب جورج سيمونون: “أنا شغوف بالحياة ولكني لا أخاف الموت. فقط أنني أفضل موتاً متأخراً إلى أبعد مدى ممكناً”. أما الفيلسوف بوفير فونتنيل فقد قال: “آن الأوان لكي أرحل، لأنه في عمري هذا فإنني بدأت برؤية الاشياء على حقيقتها”. وما قاله الفيلسوف ألبرت شويتزر: “إن مأساة الحياة لا تكمن في الموت. إنما تكمن مأساة الحياة في الذي يموت في دواخل الإنسان أثناء حياته، أعني موت المشاعر الحقيقية، موت الاستجابات الملهمة، موت الوعي، الوعي الذي يمكن من الشعور بالألم أو تمجيد الآخرين في ذات المرء. ما من أحد في حاجة للخوف من الموت، فهو في حاجة للخوف فقط من أنه قد يموت من دون أن يدرك قدرته العظمى، أعني قدرته المتمثلة في إرادته الحرة لأجل أن يضحي بحياته من أجل الآخرين”.
مما أورده الكتاب أيضاً قول بعضهم “عندما أرى ألا شيء يمكن أن يضيع ويتبدد هدراً، ولا حتى قطرة ماء، فإنني لا أشك في أن تضيع الأرواح بعد موت أصحابها، إنني أعتقد أن الله تعالى لا يضيع ملايين الأرواح التي يقبضها ثم يمضى (جل وعلا) في خلق أرواح جديدة بديلة. ومما قاله الكاتب جون شتاينبك: “يحتمل ألا تكون للإنسان روح خاصة به، لكنه، على الأقل، جزء من روح كبرى، هي روح واحدة شاملة تخص كل إنسان”.
من أبرز النصائح التي تضمنها الكتاب وحض على الالتزام بها، قواعد حياة ما بعد الستين” التي صاغها رجل المال جون روكفلر عند بلوغه سن الستين وعمل بها حتى مماته بعد التسعين: لا تيأس أبداً من الحياة والدنيا، كُلْ على فترات متباعدة وفي أوقات منتظمة، مارس الكثير من الرياضة ولكن لا ترهق نفسك، نَمْ ما يكفي، لا تعرض نفسك أبداً للنرفزة والمضايقات، ضع جدولا يومي لحياتك وتقيد به، أشرب بقدر ما يكفيك من اللبن، التزم بتوجيهات طبيبك وعاوده مراراً، لا تبالغ في إنجاز المهام.
أما وصية ألبرت آينشتاين فهي: إذا كان “أ” هو النجاح في الحياة، عليه فإن أ = س + ص + ع)؛ حيث أن “س هي العمل، و “ص” هي اللهو والتسلية و “ع هي أن تحافظ على فمك مغلقاً طوال الوقت. أما المخرج الإيطالي الشهير فيلليني فقد قال: العمل يصبح أكثر أهمية بالنسبة لي كلما تقدم بي العمر. عندما تكون شاباً هناك خيارات متعددة للمتعة. ويمكنك بقليل من الجهد إسعاد نفسك لأن كل الاشياء تبدو جديدة عليك. أما عالم المعمرين فهو عالم متلاشِ، الأشياء الصغيرة فيه تبدو عظيمة. إنه كعالم الطفولة. هناك قلة من الناس لها اهمية لديك ولكنهم مهمون للغاية. الاشياء الصغيرة تتضخم. والغذاء يصبح أكثر أهمية. عملك هو الذي يشعرك بأنك لا زلت شابا وليس متع الشباب، فبعد مرحلة معينة تجعلك متع الشباب تشعر بالكبر أكثر.
من أبرز المواعظ والدروس التي أوردها الكتاب قول الممثلة روبي ديي: في مرة من المرات فرأت قصة لمجموعة من اليهود الفارين من بطش النازي. كانوا يسيرون على جبل وعر المسالك، وكانوا يحملون معهم المرضى والعجائز والأطفال. وآثر كثير من العجائز قطع الرحلة بحجة أنهم أصبحوا عبئا ثقيلاً على المجموعة، وطلبوا من المجموعة الفارة بأن تواصل سيرها بدونهم، ولكن المجموعة ذكرتهم بأن الأمهات يحتجن لراحة واستجمامه، ونصحوهم بدلاً من الجلوس على جانب الطريق في انتظار الموت، بأن يحملوا الأطفال وأن يمشوا بهعم في الطريق لأقصى مسافة يمكنهم قطعها. وما إن احتضن العجائز الأطفال وضموهم إلى صدورهم وبدأوا في المسير، حتى تمكنت المجموعة من اجتياز الجبل. لقد كانت لهم قضية يعيشون من اجلها. وهكذا الحياة في كل مراحلها، لا بد من أن يكون هناك هدف لتحيا جميع مراحل الحياة.
تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتحياتي.
عبد العظيم ميرغني