٣٠ يونيو: يوم له تاريخ 2 – 2

30 يونيو يوم في التاريخ له تاريخ حافل بالأحداث، على المستوى السياسي معلوم ما حدث في مثل هذا اليوم في كل من السودان ومصر. وعلى المستوى الاقتصادي حدث في عام 2014 تغريم بنك ” بي إن بي باريبا” الفرنسي مبلغ 8.97 مليار دولار بحجة انتهاكه العقوبات الأحادية الأمريكية على السودان وكوبا وإيران. وعلى المستوى العلمي (الفلكي) قررت الهيئة الدولية لدوران الأرض ، إضافة الثانية الكبيسة للتوقيت العالمي المستخدم في التوقيت الرسمي للإذاعات العالمية لنهاية العام 2015.
كثيرة هي الأحداث التي وقعت في مثل هذا اليوم، 30 يونيو، ولكن الحدث الأكبر في تقديري، هو ذلك الذي حدث في إنجلترا، وبالتحديد في جامعة أوكسفورد، مساء السبت 30 يونيو 1860م، تحت سمع وبصر سبعمائة من العلماء وأساتذة وطلاب الجامعة، والذي تسببت فيه مجرد هفوة وقع فيها الاسقف صمويل ويلبيرفورس أثناء مناظرته للجيولوجي الشاب توماس هيكسلي حول نظرية التطور الدارونية.
قبل ذلك اليوم 30 يونيو 1860م لم يكن للنظرية الدارونية من رواج حتى وقعت تلكم الواقعة والتي وثقت لها الأدبيات العلمية بعد ذلك بلغة تعابيرها مستعارة من التعابير الحربية والمصطلحات القتالية، وفق ما أورد جيمس مور في كتابه “جدليات ما بعد الدارونية”، فأطلق على الجيولوجي توماس هيكسلي لقب قائد الكتائب الدارونية، وعلى الأسقف صمويل ويلبيرفورس زعيم الفصائل الاصولية المسيحية.
أوورد ريتشارد ميلتون في كتابه “حقائق الحياة” أن اللحظة الفاصلة التي حسمت تلك المواجهة التاريخية كانت عندما ارتكب الاسقف خطأ تكتيكياً فادحاً. فقد روي أن الأسقف بعد أن أخذ بزمام المبادرة وباغت جحافل الدارونية بهجمات منظمة شرسة، مزج فيها الحجج العلمية بالقرائن الايمانية في قوة وسلاسة، استحسنها الحاضرون وقابلها المريدون والاحباب بموجات من التصفيق والهتاف. الا أن الموقف ما لبث أن تبدل بعدما التفت الاسقف الي الجيولوجي وحمل عليه بملاحظة شخصية هازئة عما إذا كانت صلة قرابته بالقرود من ناحية جده أم من ناحية جدته!!
حينها روي أن هيكسلي تصدي للأسقف بضربات بيانية مدهشة، أطلق خلالها سيلاً من جحيم العبارات النارية التي بلغت ذروتها عند معالجته للملاحظة الشخصية بقوله: “ليس هناك ما يدعو المرء للخجل من كون أن له صلة قرابة بالقرد من ناحية الجد أو الجدة. لو كان لي الخيار في أجدادي، فيما يكونون قردة أو رجالاً ممن يتمتعون بتعليم لاهوتي يهزؤون جهدهم بالبحث عن الحقيقة، ويستغلون منطقهم ليضللوا به العوام، ويتعاملون ليس بالحجة كما يتوقع منهم بل بمسخ الحقائق وتشويه الاستنتاجات وتزييف الأدلة المؤيدة لمسألة فلسفية خطيرة وجادة، فأنا لا أتردد ولو للحظة واحدة في أن أختار القردة”.
“العناية الالهية دائما في جانب الكتائب الأقوى” يقول المثل. هكذا انقشع غبار تلك المعركة وانجلي دخانها عن هيكسلي منتصراً، بفضل تلك الهفوة التي غيرت مجرى المناظرة وأكسبت النظرية التعاطف الذي مهد لجحافلها سبل التقدم والذيوع والانتشار، مما اضطر الجميع حتى المتدينون منهم التعامل معها منذ ذلك اليوم بجدية، والتفكير بلغتها بالصوت العالي، فكان أن تبنت الطائفة الكالفنية البروتستانتية الفكرة وتقبلتها كلية بما في ذلك مبدأ الانتخاب الطبيعي التي تعتبره النظرية العامل الرئيسي الذي يقود التطور ويشكل الأنواع من بعضها البعض بحسبان أن ذلك يتفق مع النظرة المسيحية الي الانسان كمخلوق خاطئ لا يتم خلاصه الا من مصدر خارج عالمه. وأبدت قلة أخرى مقاومة لا هوادة فيها للأفكار الدارونية واستعصمت بعقيدتها القائمة على مبدأ الخلق.
أما الغالبية العظمي فقد سلكت طريقاً وسطاً يتمثل في تحوير النظرية بحيث يمكن النظر الي فرضيتها في التطور كعملية خلاقة ذات هدف وغاية بالضرورة كما تقرر ذلك مبادئ الاعتقاد الديني ونظرية الخلق. ومن أمثلة هؤلاء جيمس ماكوش، أول زعيم ديني مسيحي أمريكي يعلن عن تعاطفه الصريح مع النظرية بقوله إن الله يحكم العالم بالقانون ومن خلال مجموعة علل أخري تؤدي الي حدوث٨ الاشياء بما يبدو كأنها تحدث اتفاقا ومصادفة. وبدا ماكوش قادرا على التعايش مع النظرية الا فيما يتعلق بتطور الانسان فقد بدا ماكوش اقل إيماناً بالنظرية في ذلك، فذهب الي القول بأن هناك مجموعة حقائق غامضة وعميقة ترتبط بالحياة كالإحساس والشعور والغريزة والذكاء والاخلاق تبدو بوضوح أنها خارجة علي سلطان الانتخاب الطبيعي ومن ثم خارجة على النظرية. ويعتقد ماكوش أن تفرد الانسان، في نهاية الامر، نتاج للتدخل المباشر للعناية الإلهية وليس لمسببات اخري لازمة. وأن روح الانسان ذات منشأ أرفع وعنصر أنبل.
فعل ماكوش ذلك لأنه لم يطرق ذهنه أبداً أن الاعتقاد في النظرية الدارونبة يستوجب الاعتقاد في أن الحياة عملية تطورية عشوائية عمياء لا هدف لها ولا غاية، وأفي هذا تقويض بالطبع
لكل المبررات والحجج التي يعتقد فيها كل من يؤمن بالله الخالق البارئ المصور من أن هناك غرضاً وهدفاً وغايات أسمى للحياة.
النظرية الدارونية، يقول الكاتب والروائي جورج بيرنارد شو، تبدو من الوهلة الأولى فكرة بسيطة، ولكن ما إن يمعن المرء النظر في معالمها ويتفرس في تفاصيلها حتى يشعر بالأرض تميد تحت قدميه، وبقلبه يغوص في كومة من الرمل بين جنبيه. فالدارونية فكرة خطيرة، تشتمل على جبرية شنيعة، واختزال مروع ولعين للجمال والفكر، للقوة والغاية، للشرف والطموح، وتجرد الحياة من كل مغزى ومعني.
لتصوير فكرة التطور الداروني كعملية عشوائية لا غاية لها ولا هدف، اقتطع ريتشارد داوكنز محيي النظرية الدارونية في نسختها الحديثة The new-Darwinism الحوار أدناه من مسرحية شكسبير (هاملت) وضمنه كتابه “صانع الساعات الأعمى” الذي يعني به الانتخاب الطبيعي الذي يشكل الأنواع الحية بطريقة عشوائية كما التشكيلات العشوائية للسحب تحت وطأة ديناميكية الريح:
هاملت: أتبصر ذلك السحاب؟ ما اشبهه بالجمل!
بولونيوس: كأنه جمل
هاملت: بل بالعرسة
بولونيوس: ظهره كظهرها.
هاملت: بل بالحوت
بولونيوس: هو كالحوت.
هكذا تتشكل الانواع الحية وتتخلق من بعضها البعض كما تراها الدارونية وقد أدرك دارون نفسه حقيقة نظريته ومدى تعارضها مع نظرية الخلق المباشر، وأدرك أن هذا التعارض خليق بأن يؤلب عليه رجال الدين ولأجل ذلك أحجم عن نشرها على مدى خمسة عشر عاما.
المتصفح للسجل التاريخي للدارونية يصدم بشدة لفظاعة المشاهد الشائه، والتي لا يمكن أن تكون بحالٍ من الأحوال انعكاساً لنظرية علمية، بقدر ما هي انعكاس لحقدٍ اجتماعي بغيض وكراهية عنصرية ذميمة صيغت في قالب علمي، وصادفت هوي في نفوس أولئك الذين يحملون آراء وأفكار مسبقة ظلوا يبحثون لها عن مصوغ فلسفي وسند، فوجدوا فيها ضالتهم المنشودة، فأعادوا تصميمها بحيث توفر لهم الإطار الفلسفي لكل الجرائم البشعة التي ارتكبت ضد الإنسانية، مثل القمع العسكري، والاستعمار، والعنصرية، ودعاوي حركات تحسين النسل والإلحاد بالطبع. ولإيجاد أرضية مناسبة لتبرير أكثر الأساليب قسوةً ووحشيةً تجاه الشعوب المستعمرة، حيث كانت الإبادة رمزاً وعاقبةً للدونية.
كانت تلك قراءة فيما حدث في مثل هذا اليوم من مصادر علمية عديدة.
تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتحياتي.
عبد العظيم ميرغني