قد علم كل أناس مشربهم

• فيثاغورس صاحب نظرية الحمار صنَّف الناس ومواقفهم إزاء المعارك والصراعات والحروب إلى ثلاثة فئات: فئة تأتيها غريماً متخاصماً؛ وفئة تأتيها متاجرةً تحت راياتها شراءً وبيعاً؛ وفئة تأتي للفرجة.
• الفئة الأولى، التي تأتي مصارعة ومخاصمة، تستند فلسفتها في إدارة هذه المعارك والصراعات على مبدأين، لخصهما أديبنا الراحل الطيب صالح في مختاراته في القوة الصراح والمصلحة الذاتية المحض. ولتحقيق ذلك تستغل هذه الفئة الأسلحة جميعها، المشروعة وغير المشروعة التي تتيح لها الغلبة، لا مجال للأخلاق، ولا الشهامة، ولا النخوة. ظلت هذه الفلسفة متبعة منذ القرن الخامس قبل الميلاد، يقول المؤرخ اليوناني “ثيوسايديدس”، منذ عهد الزعيم الأثيني “كليون القائل: ليكن واضحاً لأهل “ماتيلينيا” أنه لا أمل لهم على الإطلاق في أن نغض الطرف عنهم، بحجة أن ارتكاب الخطأ شيء طبيعي في البشر، فإذا أحسسنا بالشفقة تجاههم، أو سحرتنا توسلاتهم، أو أطلقنا العنان لنوازع الرحمة والعطف لدينا فإن ذلك يتعارض تعارضاً كلياً مع مصالحنا الذاتية.
• الفئة الثانية، فئة التجار، وهم كثر. فقد يكون من بينهم ذوي القربى، وأقرب الأقربين، والجار ذو القربى، والجار الجنب، والصاحبِ بِالجنب، والجار القريب، الباب لصق الباب، والباب قصاد الباب والحيطة بالحيطة، وحتى سابع جار وكذلك ابن السبيل.
• أما فئة الفراجة فأكثرهم أصدقاء مشفقون، وبعضهم أعداء وبعضهم شامتون.
• قبل الختام، يقول الروائي والقاص أنطوان تشيخوف، إذا ذكرت البندقية في روايتك فعليك إطلاق النار قبل الختام. عليه واستهداءً بنصيحة أنطوان، وبما أننا قد ذكرنا الحمار فعلينا أن نعرج على الحمار ونظرية الحمار قبل الختام.
• نظرية الحمار نظرية هندسية من نظريات علم حساب المثلثات الذي من تطبيقاته تحديد المواقع الجغرافية والأبعاد، النظرية صاغها الفيلسوف وعالم الرياضيات الإغريقي فيثاغورث وأوجدها على النحو التالي: مجموع تربيع الضلعين المجاورين للزاوية القائمة في مثلث قائم الزاوية (إحدى زواياه الثلاث 90 درجة) يساوي مربع الوتر المقابل للزاوية القائمة. ومن تسمياتها أيضا مفارقة الحمار، فمن مفارقاتها من ناحية المفاهيم الفلسفية فيما يلي مفاهيم حرية الإرادة، أنه إذا ما وضع حمار على مسافة متساوية بين ماء وكومة من القش وكان شعور الحمار بالجوع والعطش متساوياً، فإن الحمار يبقى مترددًا بين خياري الأكل والشرب، دون أن ينمكن من اختيار أي من الخيارين وتفضيله على الآخر، والنتيجة الحتمية لهذا التردد هي موت الحمار. هذا بافتراض أن الحمار، حمار، بلا عقل وبالتالي بلا إرادة، فهو لذلك لا يستطيع اتخاذ أي قرار عقلاني للاختيار ما بين الماء والقش، وبالتالي تستوي عنده الدوافع، وتتشابه الاختيارات فلا يستطيع تفضيل خيار على خيار، وبالتالي فإن الموت هو المصير.
• تعرف النظرية أيضا بمقولة “تفلسف الحمار فمات جوعاً”. وقد قيل إن الإمام أبو حامد الغزالي قد ناقشها في كتابه “تهافت الفلاسفة” في شأن اتخاذ قرار الاختيار في حق الإنسان، فإذا كانت بين يدي شخص ما تمرتين متساويتين وهو عاجز عن تناولهما معاً وعليه الاختيار من بينهما، فهو ليس كالحمار، فسوف يختار إحداهما بكل تأكيد، ولا محالة في الختام.
• أما في شأن الحمار ذات نفسه شخصياً فقد دأب الناس على احتقار الحمير ووصفها بالغباء، ولكن من بين من أنصفوها ومجدوها من الأمم، أمة الأمجاد، أمة العرب فهي التي أسمت لكل مائة عام حماراً، استهداء بموت حمار العزير عليه السلام، اللذين أماتهما الله تعالى مائة عام ثم بعثهما. فسمي مروان آخر خلفاء بني أمية، بالحمار، فصار يعرف بمروان الحمار مدحا له على صبره وقوة احتماله، فقالوا عنه “أصبر في الحرب من حمار”. وقد قيل كان مروان هذا “بطلا شجاعاً رزيناً جباراً وداهية، صبر على مكاره الحرب، وواصل السير بالسير إلى أن دوخ الخوارج في عموم الجزيرة”.
• كانت تلك قراءات في شأن مواقف الناس إزاء المعارك والصراعات والحروب استقيتها من مصادر مختلفة.
ها قد علم كل أناس مشربهم فابحث عن نفسك بنفسك أين تجد نفسك في ما بين المشارب المذكورة.
تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتحياتي.
عبد العظيم ميرغني