أيها المتأنق، ماذا حل ببلدي؟

“أيها المتأنق، ماذا حل ببلدي؟” عنوان كتاب لمايكل موور -المخرج والمنتج والمؤلف الأمريكي- عن تبدل العلاقة الحميمة بين فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، كحليفين استراتيجيين لعكسا بسبب الحرب العراقية.
يقول مايكل موور ظلت العلاقة بين فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية كأحسن ما تكون العلاقات بين الدول عبر التاريخ. فمعروف تاريخاً أن فرنسا أسهمت إسهاما مباشرا في تحرير الولايات المتحدة الأمريكية من الاستعمار البريطاني، فهي التي أرسلت جيوشها وسفنها عبر الأطلنطي لنجدة الأمريكان والقتال بجانبهم. وهي التي وفرت 90% من جملة الذخائر التي استخدمت في حرب التحرير تلك. كما أن فرنسا هي من تبرع بعشرات ملايين الدولارات حتى كللت جهود المقاومة الأمريكية بالنجاح، وانتهت الحرب باستسلام البريطانيين للقوات الأمريكية في الظاهر، وللفرنسيين في الحقيقة والباطن. وحتى قبيل شن الحرب على العراق كانت الاستثمارات الفرنسية في الولايات المتحدة الأمريكية تمثل ثلث الاستثمارات الفرنسية المباشرة على مستوى العالم.
هكذا كانت العلاقات الفرنسية-الأمريكية “أزلية” وسمناً على عسل حتى كانت حرب العراق، فساءت العلاقات بينهما، وانقلب حليف على حليفه فما الذي حدث حقيقة؟ يقول مايكل موور كل ما هناك أنه حينما عزم الأمريكان على غزو العراق بحجة امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، نصحهم الفرنسيون بالتريث ومنح مفتشي الأسلحة الدوليين فسحة من الوقت للقيام بواجباتهم أولاً في العراق.
لكن لما أصر الأمريكيون على موقفهم، وفضلوا التعجيل بالحرب، وقف وزير الخارجية الفرنسي في الأمم المتحدة ليبين موقف بلاده، بالقول: “مما لا شك فيه أن الخيار القائم الآن هو بين رؤيتين للعالم؛ فاللذين اختاروا استخدام القوة ويعتقدون بأنهم سيحلحلون تعقيدات العالم عن طريق عمل وقائي خاطف، نحن نعرض عليهم بالمقابل تصميماً وعملاً متروٍ ودائم، فلضمان أمننا يجب أن نأخذ في الاعتبار كل أبعاد الإشكالية: كل الأزمات المتشعبة وكل أوجها المتعددة، بما في ذلك الأوجه الثقافية والدينية؛ فلا شيء يمكن بناؤه بشكل دائم في العلاقات الدولية بدون حوار واعتبار للآخر، بدون ضرورة ومقتضيات والتزام بالمبادئ. هذا الأمر يكتسب أهمية خاصة بالنسبة للنظم الديمقراطية التي يتوجب عليها ضرب المثل والقدوة. أما التغافل عن ذلك فلا يعنى سوى المخاطرة بما سيترتب على ذلك من مالات سوء الظن والتطرف والعنف المتبادل. هذا ينطبق أكثر ما ينطبق على الشرق الأوسط، منطقة الانقسامات والتمزقات والصراعات القديمة، حيث يجب أن يكون هدفنا الرئيسي هو الاستقرار”.
لا أحد يمكنه مخالفة أمريكا -يضيف مايكل موور- وينجو بفعلته منها. ولا أحد يمكنه أن يكذِّب أمريكا ولا تقتص منه، خاصة عندما تكون كاذبة بالفعل، حتى وإن كان هذا الأحد فرنسا أحد أكبر حلفائها الاستراتيجيين، لذا كان الهجوم الأمريكي على فرنسا شاملا وموسعاً على كافة المستويات والجبهات.
بدأ الهجوم أول ما بدأ بلغة دبلوماسية ناعمة من وزير الخارجية كولن باول حين قال: كانت فترة عصيبة تلك التي مررنا بها أثناء التصويت على القرار (قرار الحرب) في مرحلته الثانية، ولم نكن نصدق أن فرنسا كانت تلعب دوراً مساعداً في ذلك. وعندما سئل عما إذا كانت فرنسا ستعاقب لموقفها غير الداعم للحرب، أجاب ببساطة: نعم.
أما الرئيس الفرنسي شيراك فقد انبرى له الرئيس بوش شخصياً بقوله لقناة ان بي سي التلفزيونية: أشك فيما إذا كان (يقصد الرئيس الفرنسي) سيتمكن من زيارة المزرعة (مزرعة الرئيس بوش) مرة أخرى في الوقت القريب. يعني بذلك أن الأمريكان غير مرحبة بزيارة الرئيس الفرنسي إليها في الوقت القريب.
في أحد أقسى التعليقات الهازئة بفرنسا والفرنسيين وصف أحد موظفي البيت الأبيض غريمهم المرشح الديمقراطي للرئاسة السيناتور جون كيري بأنه يبدو فرنسي المظهر والشكل. هذا بينما اقترح ممثل ولاية نيو جرسي استصدار تشريع يحرم الشركات الفرنسية من الحصول على تمويل أمريكي عندما يحين وقت إعادة إعمار العراق بعد تدميره. أما ممثلة ولاية فلوريدا فقد سارعت بتقديم مشروع قانون يقضي بإعادة جثث الجنود الذين هلكوا أثناء الحرب العالمية الثانية من فرنسا ودفنها بالولايات المتحدة، مبررة ذلك بدعوى “إن جثث أبطالنا الشجعان يجب أن تدفن في تربة أكثر وطنية وليس في بلد أدار ظهره لنا”.
لم يمض إلا وقت وجيز على بدء تلك الحملة حتى ابتلع رجل الشارع الأمريكي الطعم، فسكبت الخموور الفرنسية (الغالية) في الطرقات والمراحيض، وقوطعت المطاعم الفرنسية، وألغى أصحاب الإجازات خططهم لزيارة فرنسا. واضطرت المطاعم لاستبدال أسماء الأطعمة الفرنسية في قوائم الطعام بأسماء أخرى. وفي مدينة الملاهي -لاس فيجاس- استخدمت عربة مدرعة مزودة بمدفع رشاش لسحق الزبادي والخبز الفرنسيين وصور الرئيس الفرنسي شيراك. ولم ينج من العقاب من الفرنسيين سوى طاهي البيت الأبيض الذي بالرغم من فرنسيته جددت فيه الثقة للاستمرار في إعداد وجبات الرئيس الذي لم يجد في نفسه عزماً على مقاومة الأطباق الفرنسية.
لقد صبت أمريكا جام غضبها على فرنسا رغم جمائل فرنسا عليها، وذلك لمجرد ان فرنسا لم ترتكب المحظور ولم تجاريها في الكذب على العالم بامتلاك العراق لأسلحة دمار شامل. ولأن أمريكا كانت تعلم أن العراق لا يمتلك تلك الأسلحة لذلك لم تقبل دعوة فرنسا لها بإفساح المجال لمفتشي الأسلحة للقيام بواجباتهم حتى لا يفسدوا عليها مخططاتها.
أمريكا كانت في حاجة لاختراع كذبة امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل، ولأنها صاحبة حاجة، وصاحب الحاجة أرعن، فقد كتبت أمريكا لنفسها تاريخ أسود في منطقة الشرق الأوسط، فتاريخ أمريكا كله -يقول مايكل موور- قائم على أنها نادرا ما تحارب حروبا ونقاتل فيها لأسباب ومبررات حقيقية وواضحة.
الآن، عزيزي القارئ هل خطرت ببالك علاقة مماثلة بين دولتين تبدلت فيها العلاقة بينهما بسبب الحرب مثلما تبدلت العلاقة الأمريكية – الفرنسية بسبب حرب العراق؟ هل يمكنك ذكر الدولتين؟ وأسباب الخلاف؟ وشكل التبدل؟ وما شعورك حيال ذلك؟ أم أنك لا ترى أي مماثلة لتلك العلاقة في الساحة حالياً؟
تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتحياتي.
د. عبد العظيم ميرغني