أعرني أذنيك

• هل أنت “لايفاتي” أو إمام مسجد، أو رجل سياسة، أو من وجهاء القوم الذين يتصدرون الناس في الملمات والمناسبات ويخاطبونهم ارتجالا؟ إذن إليك هذه الإرشادات الأحد عشر لخطاب مهيب ومؤثر وجاذب.
• تشير الدراسات إلى أنه في كل ألف كلمة تنطق تفلت زلتا لسان، فإذا اعتبرنا أننا نتحدث بمعدل 150 كلمة في الدقيقة فذلك يعني حدوث زلة لسان كل 7 دقائق خلال الحديث المتواصل. فزلة لسان بسيطة أثناء خطبة مرتجلة أو حوار إذاعي أو صحفي على الهواء مباشرة قد تسبب لصاحبها حرجاً بالغاً أو قد تؤدي إلى كارثة حقيقية. ومن أشهر زلات اللسان التاريخية زلة لسان رئيس وزراء بريطانيا أثناء الحرب العالمية الثانية ونستون تشرشل بإفصاحه في إحدى خطبه الحماسية عن خطوة قوات الحلفاء الهجوم على سواحل نورماندي لتحرير أوروبا من احتلال قوات النازي، الأمر الذي كاد أن يكلف الحلفاء غالياً، لولا تدارك المخابرات البريطانية للموقف بتدبيرها خدعة ما سمى بالجاسوس الغريق. عليه من أراد تفادى زلات اللسان وشماتة الشامتين والمتربصين عليه الإيجاز في الحديث.
• لا يكفي بالطبع أن يكون الخطاب مختصراً فحسب بل يجب أن يكون مهيباً ومؤثراً باتباع الخطوات التالية، وذلك بعد الصلاة على أشرف خلق الله والتوصية بتقوى الله:
• أولاً أن يتسم الخطاب بحسن الشكل والبنية ونسق الصياغة العام، كأن يكون للخطاب هيكل يتمثل في مثلاً “أخبرهم أولاً بما تود أن تخبرهم به؛ ثم أخبرهم؛ ثم أخبرهم بما أخبرتهم به”، أي أن يبدأ الخطاب بمسح تمهيدي للمحتوى ثم أختتم بملخص للنقاط الرئيسية.
• ها قد شيدت “هيكلاً عظمياً” لخطبتك، حانت الآن خطوة بث النبض والإيقاع والحركة في هذا الهيكل. إذا كان هناك أسلوب واحد متفق على استخدامه بين الخطباء على مر العصور فهو أسلوب الجناس، البداية المتكررة، منذ خطبة رجل الدولة الإغريقي المفوه ديموسثينيس (384 ق.م. – 322 ق.م. (القائل: عندما رفعوا دعاوى ضدي.. عندما هددوا .. عندما وعدوا .. عندما هاجموني هؤلاء الأوغاد الوحوش….”. أو قوله عليه الصلاة والسلام من على راحلته في خطبة الوداع: دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم.
• من أهم معايير الخطبة أو الخطاب الناجح كذلك أن يلقى في مناسبته، سواء كانت لحظة دراماتيكية في حياة إنسان أو حزب أو أمة، ليعبر فيه عن أمل أو فخر أو حزن أو مأساة؛ يجب استثمار المناسبة بالجدية اللازمة لتعزيز روح الخطاب ذات نفسه، حتى يتوقف العالم وبقف صامتاً ينظر ويسمع ويصغي. هناك مناسبات خالدة لا تنسى بسبب الكلمات التي قيلت فيها مثل مناسبة خطبة مارتن لوثر كينج “لدي حلم”. ومناسبة قوله تعالى عشية يوم عرفة حجة الوداع “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا”.
• الخطوة الخامسة: يجب أن يكون الخطاب جاذباً للاهتمام، وألا يكون إلا لسبب وجيه، إذ لا يجب إلقاء خطاب لإثارة غرور المتحدث أو تملق الجمهور أو تخويفه. بعض المتحدثين مشهود لهم بإلقاء الخطب الطويلة، ومثل هذه الخطابات لا تجد التقدير لأن الخطب التي تجد التقدير، كل التقدير، تلك التي تُلقى لهدف سامٍ – الإلهام، والتكريم، والإرشاد، والحشد، والقيادة.
• يفضل عند إعداد الخطب الاستعانة بالاقتباسات، أولاً لإظهار القليل من سعة الاطلاع. وثانياً لأن الاقتباس بمثابة عكازة يستعان بها في التوكؤ والاستناد عندما يكون الخطاب بطبيعة موضوعة متعرجاً وكثير المنحنيات.
• ما يجعل الخطاب رائعاً حقاً، الأسلوب الذي يلقى به، فالخطابة فن، وعلى الخطيب العظيم أن يصنع عبارة يبلور حولها موضوع خطابه، فلنفترض أن الخطاب حول ما يشاع عن مؤامرة تقسيم السودان، فلنفكر في هذه الحالة في استعارة كلمة تتمحور حولها عبارة التقسيم؛ ككلمة “نبقة” مثلاً أو “مرارة” كالقول بتقسيم السودان كاقتسام “الفقرا للنبقة” مثلاً أو على قول الراحل غازي سليمان رحمه الله “على الطلاق ده الماشي وإذا ما عملتو حسابكم السودان ده يتقسم ذي المرارة”.
• أضف إلى ما تقدم من خطوات ومعايير العنصر الأكثر أهمية: ألا وهو الموضوع. بأن تجيب بكلمة أو جملة على سؤال شخص لم يتمكن من الحضور وجاء يسأل: عن ماذا كان الخطاب؟ فحديث تشرشل الذي ألقاه أثناء الحرب العالمية الثانية حوى عبارة “دم وعرق ودموع”، فكان موضوعه “التضحية”.
• وعلام ضرب المثل بخطاب تشرشل وبين يديكم هذه المقالة المتواضعة حول كيفية صياغة خطاب مؤثر ومهيب وهي في غالبها ترجمة (بتصرف) لجزء من مقدمة كتاب “أعرني أُذُنيك Lend Me Your Ears” لصاحبه “وليام سافير” الذي ضمنه ما أسماه “أعظم خطب التاريخ Great Speeches in History”، فإذا كنت لا ترى أن هذا هو موضوع هذه المقالة فعليك أن تتوقف فوراً عن القراءة وتدع هذا المقال وصاحبه المتحذلق وتقوم على الفور بمراجعة المصدر الأصلي حتى لا تضيع وقتك أكثر من هذا.
• عند إعداد خطاب، احذر الكلمات غير القابلة للإلقاء مثل كلمة “فأسقيناكموه”، والكلمات الإنجليزية الثلاثية التركيب مثل كلمة “غير قابل للتسليم Undeliverable”؛ قد تبدو سهلة بما فيه الكفاية عند قراءتها بصمت، ولكن عندما تأتي اللحظة الدفع بها إلى ما وراء شفتيك، فإن مثل هذه الكلمة قد تدعو إلى التعثر. أو كعبارة “الإرادة التي لا تقهر Indomitable will”؛ احذر أيضاً من الكلمات ما قد يحدث إزعاجاً لمستمعيك مثال الكلمات المبتدعة السائدة على الألسن هذه الأيام أو الكلمات ذات الغرابة (مثل كلمة عصبصب، وتريد اليوم الحار” فهي دلالة على الادعاء. ولكن إذا اضطررت لاستعمالها بغرض توسيع مفردات مستمعيك، فمن الأفضل أن تستخدمها بمهارة شديدة كأن تستخدمها بشكل عابر كما لو كنت تضيف تأكيداً.
• تلك هي الإرشادات الأحد عشر التي إن التزمت بها عزيزي القارئ وكنت من ا”للايفاتية” مثلاً فإنك سوف لن تكون بحاجة لاستجداء “الشير”.
تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتحياتي.
عبد العظيم ميرغني