حرب النهر والبحر

اللواء (م) مازن محمد اسماعيل
٩ نوفمبر ٢٠٢٣م
🌊عام ١٨٩٩م صدر الكتاب الشهير حرب النهر The River War للكاتب الصحفي آنذاك Winston Churchill والذي أصبح رئيس وزراء المملكة المتحدة بعد ذلك ، الكتاب يوثق احتلال بريطانيا للسودان وليس اعتباطاً إقحام النهر في عنوان الكتاب الذي نقتبس منه حول أسباب الغزو والاحتلال: *(إنّ النيل له اليد الطولى وإنّه سبب الحرب ومن خلاله نحارب وهو النهاية التي نرغب فيها)* ، وعالم الجغرافيا البريطاني Tony Allan يقول: *أننا لم نشهد وقوع حروب في منطقة شديدة الجفاف مثل الشرق الأوسط ، والتي تستقبل حوالي نصف كمية المياه التي تحتاجها ، والسبب هو تعويض هذه الدول لهذا النقص في الماء من خلال الاستيراد ، فكل ما تستورده هذه الدول من منتجات هو في الواقع مياه افتراضية*
*🌊مشروع الهواد* تبدء المرحلة الأولى له بمساحة ٢.٤ مليون فدان من ولاية نهر النيل ، ويتوسع إلى خمسة ملايين فدان في مرحلته الثانية مخترقاً ولايات الخرطوم وكسلا والجزيرة والقضارف ، وباحتساب تلك المساحة وحقول ضفاف النيل والمشاريع القومية القائمة .. فإن المساحة التراكمية لتلك الرقعة الزراعية ستبلغ ١٢ مليون فدان متمددة في خمس ولايات ، وهي تساوي تحديداً مساحة الرقعة الزراعية لكاليفورنيا (الولاية التي تحمل اقتصاد أمريكا على كتفيها وهي خامس أقوى اقتصاد على مستوى العالم) ، وبالنظر إلى أزمة الغذاء العالمية ووفرة المياه العذبة المتاحة للمشروع .. فربما تجدُر الإشارة كذلك إلى أنه في عام ٢٠٢٤م ستعاني عشرة دول في العالم من الإجهاد المائي ، وتأتي دول الخليج الستة بالإضافة إلى فلسطين من بين هذه الدول العشرة ، وستلحق بهم العراق ومصر في الأعوام القليلة التي تليها ، وهذا غيضٌ من فيض الأهمية التي يمثلها هذا المشروع ، فكيف إذا ما أُضيفت إليه الفشقة.
*🌊البحر الأحمر* أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم ، فهو يوفر مسافة ٨.٩٠٠ كلم عن الطريق البديل المعروف برأس الرجاء الصالح ، وتطل على البحر الأحمر كلٌ من السودان ومصر وإريتريا وجيبوتي واليمن والسعودية والأردن وفلسطين المحتلة ، ويُضاف إليهم الصومال بإطلالته المميزة على خليج عدن وباب المندب ، فالبضائع والسلع السنوية التي تتداولها فقط سبع دول مُشاطئة (السعودية ومصر والسودان وجيبوتي واليمن والصومال والأردن) عبر البحر الأحمر تتجاوز ٢.٥ تريليون دولار بما يُمثِّل نحو ١٣% من التجارة العالمية ، وبالنظر إلى دول منطقة البحر الأحمر التي تضم ٢٠ دولة تستخدم هذا الطريق الملاحي كممر أساسي للتجارة .. فهو بامتياز أكبر وأسرع الأسواق نمواً وأقلها استغلالية في العالم ، والأمم المتحدة تتوقع أن تقارب قيمة التجارة العالمية في هذه المنطقة الخمس تريليونات دولار بحلول عام ٢٠٥٠م ، ويتوقع البنك الدولي أن يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة ست تريليونات دولار .. وقل مثل ذلك وأكثر في أهمية البحر الأحمر بالنسبة لحركة الطاقة العالمية من الغاز والبترول والطاقة البديلة ، ويتمتع السودان بإطلالة ساحل تزيد عن ٧٥٠ كلم على هذا المارد الإقتصادي.
🌊إن الذين اجترحوا مصطلح *دولة النهر والبحر* بمجرد سقوط النظام السابق فبدؤوا في ترويج فكرة انفصال هذا الجزء من السودان إنما يسعون (سواءً علِموا بذلك أم جَهِلوا) لأن يُمَكِّنوا الذين يكيدون للسودان من أن يفعلوا به ما كاد أن يفعله هُدبة ابن خشرم بابن زيادة ابن زيد ، فهم يريدون تقديم مشروعي الهواد وميناء أبوعمامة والمنطقة الحُرَّة وما يربط بينها من سككٍ حديدية وطرقٍ مُعبَّدة على طبقٍ من ذهب للإمارات المعلوم دورها فيما يجري في بلادنا ، والمعروف ارتباطها بإسرائيل ، ومن ورائهما الولايات المتحدة ، ويجب أن لا يغفل الناس عن أن الإمارات سعت لهذين المشروعين -بشهيةٍ أقل- خلال فترة البشير ، ثم اتسعت شهيتها على مصراعيها بعد سقوطه ، ولن ننسى أن السلطة الانتقالية في ديسمبر ٢٠٢٢م قد وافقت بالفعل على هذه المشروعات ووقعت اتفاقاً بذلك دون تفويضٍ من الشعب ، ودون أن تتكرم بأن تُطلِع شعبها على الاتفاق الذي وقعت عليه ، وحيث أن ما أعاق إنفاذ المشروع لم يكن السلطة الانتقالية بل الوعي الشعبي والرفض الجماهيري .. فهكذا توجهت الحرب مباشرةً لاستهداف هذا الشعب الذي وقف ضد المصالح الاستراتيجية التي تعتبرها بعض الدول حقاً دونه زوال السودان وشعبه من الخارطة ، وعلى الذين يعيشون في الولايات التي يتمدد فيها هذا الاستثمار الموعود أن يدركوا حقيقة ما يجابهون ، وعلى الذين يجأرون بأشواق دولة النهر والبحر أن يُدركوا في أي فسطاطٍ قد موضعوا أنفسهم.
🌊مخطئٌ جداً من ظن أن الحرب التي تجري في بلادنا اليوم ليس من أهم غاياتها الرئيسية هذا الهدف ، فمسألة انفصال دارفور أو انفصال أقاليم أخرى حالياً ليست أسبقيةً لبعض الدول التي تقف وراء هذه الحرب ، على أن هذه ، وغيرها قد تكون أهدافاً مؤجَّلةً ربما يُنظَر فيها بحسب ما يقتضيه سياق المصالح بعد تحقيق الهدف الأساسي باقتطاع غنيمة المياه والطاقة والتجارة الدولية والأمن الجيوسياسي للبحر الأحمر من السودان ومنحها غنيمةً لمجموعة موانئ أبوظبي والتي كان قد وقَّع الاتفاق نيابةً عنها العضو المنتدب والرئيس التنفيذي للمجموعة محمد جمعة الشامسي ، وشركة أنفيكتوس Invictus للاستثمار وكان قد وقَّع نيابةً عنها أسامة عبداللطيف داوود رئيس مجلس إدارتها.
🌊كل دول العالم تجتهد لاجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية وتشجع على الاستثمار في بلادها ، ولكن ذلك كله يجري وِفق قوانين معروفة ، وإجراءات شفافة ومنضبطة ، تحفظ سيادة البلد ، وتحقق مصالحها ، وترعى حقوق شعبها ، وتضمن في ذات الوقت حقوق المستثمر ومصالحه .. ولكن عندما يتم الاستثمار الأجنبي باستخدام النفوذ السياسي لا التنافس التجاري ، وبأساليب الضغط ولَيِّ الذراع ، وتُضرب على تفاصيله السِّرِّية ، فيفتقد الشفافية والمؤسسية ، وتكتنف إجراءاته الغموض ، ويستعر اللهاث خلفه لدرجة الحرب التي تُهلك الحرث والنسل … *فعندها ينتقل من مربع الاستثمار إلى مربع الاستعمار* ، والتاريخ القريب يروي لنا كيف بدء الاستعمار الحديث في إفريقيا بأن استعمرت بلجيكا الكنغو من خلال شركة ABIR Congo فحوَّلتها لبلاد الأيدي المقطوعة ، وكيف استعمرت بريطانيا شبه القارة الهندية من خلال شركة الهند الشرقية East India Company.