رأي

حين يزور الرئيس غرفة الكنترول… من ينتصر؟

كتبت / حفيه الياس
ليست كل الزيارات الرسمية متشابهة. هناك زيارات بروتوكولية تنتهي بانتهاء عدسات الكاميرات، وهناك زيارات تحمل رسائل تتجاوز المكان والزمان. وزيارة رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى مركز كنترول الشهادة الثانوية تنتمي إلى النوع الثاني؛ لأنها جاءت إلى المكان الذي تُصنع فيه نتائج آلاف الطلاب، وفي لحظة يواجه فيها التعليم السوداني أحد أصعب امتحاناته.

لم يكن المشهد مجرد تفقد لسير أعمال الرصد والتصحيح، بل كان اعترافاً عملياً بأن المعلم ظل صامداً، رغم الحرب والنزوح وانقطاع المرتبات وتدهور بيئة العمل. فالذين جلسوا لساعات طويلة داخل الكنترول لم يكونوا يؤدون وظيفة عادية، وإنما كانوا يحرسون آخر ما تبقى من هيبة الدولة: الشهادة السودانية.

البيان الذي أصدرته النقابة العامة لعمال التعليم العام لم يقتصر على الشكر، بل كشف عن حزمة من الرسائل المهمة؛ بدءاً من إعادة مدينة المعلم الطبية إلى دورها، مروراً بمنح معلمي ولاية الخرطوم خمسة أشهر من المتأخرات، وصولاً إلى التعهد بإنصاف المعلمين وتحسين أوضاعهم. وهي وعود ستظل قيمتها الحقيقية مرهونة بمدى تحويلها إلى واقع ملموس.

فالمعلم لا ينتظر كلمات الثناء بقدر ما ينتظر سياسات تعيد إليه كرامته المهنية، وتحفظ له حقه في العلاج، والسكن، والراتب الذي يكفل له حياة كريمة. وإذا كانت الحرب قد دمرت المدارس والبنية التحتية، فإن أخطر ما يمكن أن تخلفه هو هجرة العقول التربوية، وفقدان المعلم ثقته في مستقبله.
كما أن إشادة النقابة بدور القوات المسلحة في تهيئة الظروف لعودة الكنترول إلى الخرطوم تؤكد أن استعادة المؤسسات التعليمية تمثل أحد أهم مؤشرات عودة الدولة إلى أداء وظائفها الطبيعية. فلا إعمار حقيقياً من دون تعليم، ولا تعليم مستقراً من دون معلم يشعر بالأمان والتقدير.

تبقى الرسالة الأهم أن مستقبل السودان لا يُكتب في ساحات القتال وحدها، بل يُكتب أيضاً داخل قاعات الامتحانات وغرف الكنترول، حيث يعمل رجال ونساء في صمت ليمنحوا جيلاً كاملاً حقه في المستقبل.
إن زيارة الرئيس ستبقى خطوة إيجابية، لكن التاريخ لن يتذكر الزيارة وحدها، بل سيتذكر ما إذا كانت قد فتحت بالفعل صفحة جديدة في إنصاف المعلم السوداني. فتكريم المعلم لا يبدأ بصورة تذكارية، وإنما يبدأ بقرار يُنفذ، ووعدٍ يُوفى، وحقٍ يعود إلى أصحابه. هكذا فقط ينتصر التعليم… وينتصر الوطن.