طريق إلى الفجر2

عبدالعزيز علي عمر
بدأت الحكاية بابتسامة. كانت فتاة صامتة، هادئة كالتلال في شرق السودان، تجلس في مقدّمة السيارة. التفتُّ إليها من مرآة الرؤية الخلفية، فبدّدت بابتسامتها الحزن عن المكان كلّه. تمنّيت لو أبقى بقربها، لكني غادرت مسرعاً، نادماً على أنني لم أمدّ لها يدي لتخفيف ثقل حقائبها. تلك اللحظة الصغيرة ظلّت ترافقني كنسمة لا تُنسى.
بعد أيام قليلة، ساقني دوارٌ إلى المستشفى. جلست خارج غرفة التحاليل أرتجف من الإبرة. ومع أن وخزتها أوجعتني، إلا أنّ لمسة الطبيبة وابتسامتها المطمئنة حملتا شيئاً من الطمأنينة، كأن الجمال يتخفّى في أبسط اللمسات. أحسست أن هناك دوماً ما يبدّد الخوف، كما فعلت ابتسامة الفتاة من قبل.
لكنّ الطريق لم يكن كله نوراً. ففي بيت داخلي على جانب تلة بعيدة، لمحت امرأة غامضة ترتدي ثوباً بلون التراب وتجلس بصمتٍ أمام قارورة حليب. تردّدت ثم فررت، وقيل لي: “من يراها يُجنّ”. عاد شبحها إليّ حين رجعت بعد أعوام إلى المكان نفسه. سقطت ناموسيتي في الليل، رأيت أحلاماً ثقيلة، وشعرت أن قوة خفيّة تطردني. غير أنّ تلك التجربة المقلقة أعادت إليّ الكتابة، وكأن الخوف والدهشة قودٌ لا غنى عنها للخبر.
وفيما كنت بين جمالٍ يُطمئن وغموضٍ يُربك، جاءت لحظة الحسم. طرق باب بيتنا موكب عمي وقد أصبح مسؤولاً بعد اتفاقية سلام. دعاني إلى ورشة، لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ثم همس لي في الطريق : “هناك فرصة لتصبح معلّماً إن أردت.” لم أتردّد. دخلت الفصل لأول مرة، وعلى السبورة كتبت بيدي المرتجفة: “I believe for every drop of rain that falls, a flower grows.” وما إن هبطت فراشة على الطباشير، حتى ابتسم الطلاب، وابتسمت أنا. عندها فقط فهمت أن كل ما مررت به—ابتسامة فتاة، لمسة طبيبة، شبح امرأة غامضة—كان يمهّد الطريق لرسالة أعمق: أن أزرع في عيون الصغار بذور الأمل، وأسير معهم نحو الفجر.