رأي

جوبا بين إتفاقية السلام المنشطة…و حوار ( توماينى) الأمل. (١ -٣)

د . يسين طه النذير

لم يكن الربع الأخير لهذا العام 2024م فى جوبا كسابقته فى الأعوام الماضية ، فقد كان ربعاً ساخناً بالأحداث السياسية والاقتصادية و الامنية ، وتجاوزت فيه معدلات الأزمة الاقتصادية سابقتها فى مثل هذا الوقت وشهدت جوبا ارتفاعاً غير مسبوق لسعر الدولار فى السوق الموازى ، وعجزاً كاملاً للدولة في دفع مرتبات العاملين لأكثر من ثمانية أشهر .
عقب تعافى الرئيس سلفاكير من تلك الوعكة الصحية التى ألمت به فى أكتوبر الماضى ، انتظم القصر الرئاسى سلسلة من الإقالات لكبار الموظفين بالقصر الرئاسى وبعض العسكريين والأمنيين واقتصاديين بلغت ذروة الإقالات بإقالة مدير جهاز الأمن الداخلى الفريق اكول كور بعد ثلاثة عشر عاماً قضها الرجل ممسكاً بتلابيب الأمن الداخلى بقوة ومؤسساً لمنظومة أمنية قوية و باطشة ، وقبلها شهد الجميع حوار داخلى بين أطراف حكومة الوحدة الوطنية إنتهت بصفقة سياسية قضت بتمديد الفترة الانتقالية لعامين تنتهى بإنتخابات فى ديسمبر 2026م .
فى وسط هذه السخونة كانت حالة من الوعى السياسي والاقتصادي يحيط بشكل العلاقات بين جوبا و الخرطوم ، و تطوراً إيجابياً وتفهماً للاوضاع بالبلدين بدأ يسود ، رغم محاولات (الشخبطة ) على جدار العلاقات التى قادها الشيخ شخبوط وزير الدولة بالخارجية الاماراتية ، الا أن جوبا ظلت كما هى ملاذاً آمناً لأهل الخرطوم كما تغنى الفنان (النور الجيلانى) أن من ينشد الراحة عليه بالسفر إلى جوبا ، فكانت رحلة رئيس المجلس السيادى في نوفمبر معالجة لثقوب في جدار العلاقات الثنائية بين البلدين.
إذن لماذا كانت الأشهر الثلاثة الأخيرة من هذا العام قبل عيد ميلاد المسيح هى الأسخن؟ هل للأمر علاقة بحالة الرئيس الصحية و من يخلفه ؟ لماذا أفل نجم رجال حول الرئيس وصعد آخرون ؟ وبما يتميز الصاعدون الجدد عن الآفلين ؟ من الذى يمسك بزمام الامور في القصر الرئاسي في جوبا ويحرك مؤشر الاقالات بهذه الطريقة غير المسبوقة ؟ هل يمكن أن تكون (توماينى ) التى تعنى بالسواحيلى (الأمل ) والذين يقفون خلفها إقليمياً ودولياً وراء كل هذه التغيرات السياسية كلها ؟ وهل هذا يعنى أن المسرح السياسي يعد للانقضاض على ما تبقى من الاتفاقية المنشطة والترحيب (بتوماينى ) ؟ وهل حقاً تمثل توماينى حراكاً سياسيًا لإرادة سياسية حقيقية لمعالجة أزمات جنوب السودان ؟ أم هى مسرحية من تأليف حكومة جوبا لإلهاء الشعب ؟ وكيف تقرأ الخرطوم هذه التطورات وفقا لازمتها السياسية والأمنية ؟ وهل للتحركات الاماراتية فى دول الجوار الأهم للسودان ( جوبا ، كمبالا ، بانقى ، إنجمينا) علاقة بهذه السخونة السياسية فى هذا الربع ؟ وما علاقة هذه الجولة الاماراتية بحركة فلول المليشيا المنهزمة حول الحدود السودان وجنوب السودان ، كل هذه التساؤلات وغيرها يمكن إجمالها فى سؤال كبير ماذا هناك ؟ ومن الذى يحرك كل ذلك ؟ و لمصلحة من ؟
فشلت حكومة الوحدة الوطنية في التوقيع النهائى على مسودة إتفاقية حوار توماينى برغم التقدم المحرز بين الطرفين كما تم الإعلان عنه والترويج الكبير له ، قد انصب إحتجاج ورفض الحكومة وحلفاءها بالداخل على البنود المتعلقة بالسلطة بإدخال سلطة أخرى متمثلة فى سلطة رئيس مجلس الوزراء بسلطات قوية حقيقية خصماً على سلطات الرئيس بالإضافة إلى أن القادمين الجدد سوف يقاسمون القدامى مقاعد البرلمان والوزارات الولائية والقومية ، واشارات الأطراف المشاركة في الحكومة صراحة أن ذلك يعنى القضاء على إتفاقية السلام المنشطة والتى تشكل مرجعية حكومة الوحدة الوطنية وهددت بالخروج من الحكومة ولم تكن الحركة الشعبية في الحكومة الطرف الكبير مهيأة لسيناريو خسارة حلفاءه بالداخل في هذا الوقت وتحمل نتائج إنهيار إتفاقية السلام المنشطة ، واحتمالات العودة للحرب .
لذلك دخلت الأطراف الحكومية في حوار داخلى إنتهى بصفقة عدم قيام الانتخابات الرئاسية والتشريعية هذا العام مقابل تمديد الفترة الانتقالية عامين بحيث تقام فى نهايتها الانتخابات فى ديسمبر 2026م وبهذه الصفقة يحافظ الجميع على موقعه في السلطة ومكاسبه الناتجة عن إتفاقية السلام المنشطة ، وكان لابد من كبش فداء ضخم يوازى الغضب الغربى ودول الترويكا التى كانت ترعى المفاوضات ، وكينيا من وراءها دول كتلة شرق أفريقيا التى رمت بثقلها خلف هذا الحوار ، فكانت إقالة الفريق اكول كور وتصويره بصورة المعوق للحوار بين المعارضة والحكومة والرافض للتحول السياسى و الانفراج فى الحريات العامة القادم عقب التوقيع على حوار ات نيروبى الموسومة بالأمل.
ثم ماذا بعد ؟ تبع إقالة الفريق اكول كور مدير جهاز الامن الداخلى تخرصات وشائعات بتوترات محتملة في الشارع العام ، لكن فى واقع الأمر كانت إقالة الفريق اكول كور هى رأس جبل الجليد لسلسلة من الإقالات لكبار الضباط فى جهاز الأمن الداخلى ورئاسة هيئة أركان الجيش الشعبي الذين وصفهم الشارع العام بالمحسوبين على الفريق اكول كور ، و تمدد الأمر ليشمل موظفين كبار في القصر الرئاسى ثم البنك المركزى و وزارة المالية ، بالرغم من ذلك لم يتحسن الوضع الاقتصادى ومازال الجنيه يواصل تدهوره ورغم اقتراب عيد الميلاد فإن المرتبات تبدو بعيدة المنال ، وتم إستئناف مفاوضات ( توماينى ) بعد غبار كثيف من التصريحات الغربية الغاضبة تجاه مواقف دولة جنوب السودان من الانتخابات المؤجلة ، وتصريحات هادئة من الوسيط الكيني الذى يسعى لحل سياسيى للأطراف يكسب به ود الترويكا والغربيين ، وتغييرات حكومية فى وفدها المفاوض إلا أن توماينى لم تبارح مكانها ، والآمال مازالت تداعب خيال المواطنين في معاشهم والعيد على الأبواب.